قال الإمام الشافعي: «الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل» (13) .
وقال عثمان بن زائدة: «قلت للإمام أحمد: العافية عشرة أجزاء تسعة منها في التغافل، فقال: العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل» (14) .
فأَجْمِلْ بالأب في بيته، والمعلم في فصله، والمدير في دائرته، وإمام المسجد مع جماعته، وكل مسؤول مع من تحت يده، أَجْمِلْ بهؤلاء كلهم أن يتحلوا بالإغماض عن الهفوات التي لا تمس دينًا، ولا تورث شرًا، وإنما هو حقوقٌ شخصية.
ويتأكد التغافل عن الخطأ في حق من اشتدت مودته، وطالت صحبته، كما قال أبو فراس الحمداني:
لم أواخذْك بالجفاء لأني واثق منك بالوداد الصريحِ
وجميل العدو غير جميل وقبيح الصديق غير قبيحِ
7 ـ قبول أعذار الناس؛ فبما أن الإنسان لا يزال في حيِّز البشرية، يَرِدُ عليه الخطأ في تعامله مع الناس؛ فإن كفارة ذلك الذنب هو اعتذار ممن أخطأ معه.
ويتأكد في حق من اعتذر منه أن يقبل عذره، ويكل سريرته إلى الله، تأسيًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم - ؛ فإنه لما جاءه المخلَّفون عام تبوك، وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، قَبِلَ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وهو مع ذلك لا يصدِّق أحدًا منهم؛ بدليل أنه لما جاءه كعب بن مالك، وأخبره بحقيقة أمره، قال: «أما هذا فقد صدق» كما عند البخاري (1) ومسلم (2) .
قال الإمام ابن القيم: «من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته؛ فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته، حقًا كانت أو باطلًا، وتكل سريرته إلى الله...» .
ثم قال: «وعلامة الكرم والتواضع أنك إذا رأيتَ الخلل في عذره لا توقفْه عليه ولا تحاجَّه، وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول، ولو قضي شيء لكان، والمقدور لا مدفع له، ونحو ذلك» (3) .
قال الإمام الشافعي:
اقبلْ معاذير من يأتيك معتذرًا إن برَّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره وقد أجلَّك من يعصيك مستترا