فهرس الكتاب

الصفحة 899 من 1113

وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: إن أبا موسى هارون بن عبد الله قد جاء إلى رجل شتمه لعله يعتذر إليه، فلم يخرج إليه، وشق الباب في وجهه، فعجب، وقال: سبحان الله! أما إنه قد بغى عليه، سيُنصر عليه، ثم قال: رجل نقل قدمه ويجيء إليه يعتذر لا يخرج؟! (4) .

ومما يقوِّي المسلمَ في قبول عذر أخيه إذا اعتذر إليه، استشعارُه أنه ربما احتاج لمثل هذا الموقف الذي وقفه أخوه أمامه؛ فهل يسرُّه حينَها أن يُرَدَّ خاسئًا وهو حسير؟ فكما تدين تدان.

فما أجمل ذلك الأب الذي لما أتاه ابنه يلقي معاذيره، قبل عذره، وبرأه من الملام.

وأكرم بذاك الزوج الذي إذا اعتذرت إليه زوجه من التقصير، نفض عنها غبار اللوم، ووجد لها في ذلك عذرًا بينًا.

ولله در ذاك الصديق الذي لما أتاه صاحبه معتذرًا إليه من هفوة فرطت، أو سقطة بدت ـ هوَّن عليه، وقال: لا درَك عليك في ذلك ولا لَحق.

بل إنه ينبغي لمن أوتي شهامة في طباعه، وسخاوة في أخلاقه، أن يعذر أخاه إذا سمع عنه سوءًا، وهذا قد دعا إليه ربنا في كتابه، فقال: {لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ} [النور: 12] .

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: «لا تظنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا» (5) .

وقال أبو قلابة: «إذا بلغك عن أخيك شيءٌ تكرهه فالتمس له العذر جَهدك، فإن لم تجد له عذرًا، فقل في نفسك: لعل لأخيك عذرًا لا أعلمه» (6) .

{وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت