فهرس الكتاب

الصفحة 902 من 1113

ويقول أنس ـ رضي الله عنه ـ: «كنت أمشي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وعليه رداءٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذةً شديدةً، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وقد أثرت بها حاشية الرداء، من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ، فضحك، ثم أمر له بعطاء» أخرجه البخاري (6) ومسلم (7) .

وفي رواية عند مسلم: «ثم جبذه إليه جبذةً، رجع نبيُّ الله ِ-صلى الله عليه وسلم - في نحر الأعرابي» .

وفي رواية أخرى عند مسلم: «فجاذبه، حتى انشق البُرْدُ، وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله -صلى الله عليه وسلم - » .

سبحان الله! ما أعظم أخلاق هذا الرسول -صلى الله عليه وسلم - التي تملأ الصدور عظمة وإجلالًا، كيف قابل نزَقَ هذا الأعرابي وطيشَه، بهذه الأريحية، وهذا الندى؟! إنها رفعةٌ لا تُسامى، وعظمةٌ لا تُغالب.

وعلى هذا النهج النبوي سار شرفاء الناس وعظماؤهم، وسأذكر مثالًا واحدًا فقط ـ والأمثلة كثيرة ـ على ذلك.

فهذا إمام أهل السنة، أحمد بن حنبل، الذي استبطن دخائل العلم، وخاض عُبابه، قد لاقى في فتنة القول بخلق القرآن الألاقي، من سَجْنٍ وأغلالٍ، وجَلْدٍ يصل إلى أن يفقد الإمام وعيه، وحَبْسٍ في بيته يُمنع فيه من الخروج للصلاة، ومع ذلك كان يقول: «كل من ذكرني ففي حِل إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق ـ يعني: المعتصم ـ في حِل، ورأيت الله يقول: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ...} [النور: 22] أمر النبي -صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بالعفو في قصة مسطح» ثم قال الإمام أحمد: «وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟» (8) .

الله أكبر، إنه التوفيق الإلهي، وإذا أراد الله بعبد خيرًا غرس فيه طباع الخير، فيبذلها بلا كلفة أسلس من الماء.

وفي الختام أقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت