المدنى - ومن الممكن أن يقال: إن العهد المدنى كان عهد تشريع، وإن العهد المكى كان عهد بيان للعقائد وأخذ للنفوس بها وتكوين لمجتمع أساس الترابط فيه الإيمان بالله وصدق الاتجاه إليه .. ولاشك أن التدرج كان سنَّة في بعض الشرائع الفقهية الفرعية في الإسلام، فمثلا الربا كان أول ما نزل فيه قوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) فهناك تلويح بأن الربا مرفوض، لكن الحسم في تنظيف المجتمع من الربا ومحو آثاره كلها كان في العصر المدني لا في العصر المكي .. وآخر الآيات في هذا نزولا قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) وقوله: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) فكان التشريع حاسما هنا، وكذلك في تشريعات الخمر وما إليها، لكن لا نستطيع أن نقول: إن الذين يعملون للإسلام الآن يتدرجون في شرح الحقائق الإسلامية العلمية لأن هذه الحقائق قد اكتملت، ومنذ نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) أصبحنا مكلفين بعرض الإسلام كله آية آية وسُنة سُنة .. لكن بناء الدولة بعد نشر الدعوة، هذا لابد فيه من التدرج، لأن البناء الذى انهدم على عدة قرون لا يمكن أن يتم إعادة صرحه في خلال أسابيع أو في خلال أعوام قليلة، ولذلك كان كبار المصلحين يقولون: الزمن جزء من العلاج - بمعنى أنى لابد أن أقول الحدود تقام وما أقبل مماراة في حد - لكن عند التطبيق فلا بأس أن أشرع فورا بحد الافتراء .. أو حد قطع يد السارق، لأن ذلك سهل ويمكن إرجاء بعض الحدود إلى أن تواتينى فرص التنفيذ .. فعلميا أنا مكلَّف ببيان الإسلام كله، وعمليا لابد أن أتدرج في التطبيق العملى، وهذا ما تفرضه أحوالنا التى لابد منها، فالدواء الذى لابد أن يتجرعه المريض ليصحو أعطيه له جرعة جرعة. ص _123