فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 140

الدراسات التقليدية عندنا، أو ما يسمّى بالتعليم الأصلىّ في الجزائر، أو ما أسميه الثقافة الذاتية للأمة الإسلامية، هذا النوع من المعرفة يذوى ويخفّ وزنه ويتوارى رجاله! إن الثقافة الذاتية شىء، والعلم الذى لا وطن له شىء آخر!. العلم العام كالهندسة والجبر والحساب، والفيزياء والكيمياء والأحياء، والطب والعمارة والفنون العسكرية والمدنية المختلفة، هذه كلها تنتشر في القارات الخمس، ويتنافس البشر في إجادتها، ويقتربون أو يتحدثون في حصيلتها. وهى في جملتها وسائلُ لخدمة الأمم ورسالاتها المتباينة في هذه الحياة. أى أنها تنمو وتمتد في حضانة ووصاية الثقافة الذاتية لأية أمة. ذلك أن هذه الثقافة تصوَّر شخصية الأمة وملامحها الفكرية والنفسية، وتشرح عقائدها التى تنطلق منها، وأهدافها التى تنطلق إليها، وتقاليدها وأخلاقها وشرائعها بدءًا من الأسرة إلى علائقها الدولية. كما تشرح آدابها ولغتها وخصائص شِعْرها ونثرها. وتهتم بالتاريخ لتربط الأجيال اللاحقة بالأجيال السابقة، وتربط الولاء الخاص والعام بالقيم المقررة والشعائر الظاهرة..

إن هذه الثقافة الذاتية هى أكسير الحياة للأمة، والمجدد الدائب لطاقاتها الأدبية والمادية. ومن هنا اتجه الاستعمار العالمى إلى ضرب هذه الثقافة، وتوهين معاهدها فإما أجهز عليها، وإما شلَّ حِراكها وأبقاها صورة هامدة أو اسمًا بلا مضمون. وذلك ما حدث لجامعة القرويين والزيتون والأزهر والجامعات الإسلامية في ليبيا والسودان وأقطار أخرى. ونتج عن ذلك أمران خطيران: اضمحلال العقل الإسلامى، وضعف الدراسات الدينية. ثم اضمحلال اللغة العربية وآدابها وانكماشها أمام التقدم الحضارى وقلة المجيدين لها، وكثرة اللاحنين فيها دون أدنى حياء. ص _032

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت