راسخين فضلاء، بينما كانت العواصم الأخرى تعجّ بعصابات من الكهنة الصغار، والحكام الجبابرة، والأثرياء اللصوص، والجهالات المطبقة ..
وحتى لا يكون حديثنا دعوى مجردة نذكر معالم النُّقْلة التى حوَّلت العالم إلى أوضاعه الجديدة: (أ) قام العقل الإسلامى على الحقائق وحدها، ونَفْى الأوهام والظنون، واعتمد على الفكر الذكىّ والحواس اليقظة في تقرير أنواع المعرفة، وما كانت البشرية تدرك ذلك لولا القرآن الذى عدَّ الغباء، وبلادة الحواس، وقلة الوعى هى طريق النار .. وعلى النسق البلاغى العالى في تعبير القرآن تقرأ قوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) والصياغة في الآية كما نقول: إن السقوط يتخيّر ذويه من كل كسول لا يذكر دروسه ومن كل لاهٍ يهجر أساتذته. إن الإسلام بظهوره العظيم أنشأ حركة فكرية ما كان للعالم عهد بها من قبل .. (ب) قام الخُلُق الإسلامى على نشدان الكمال في السلوك الإنسانى كلٍّه، وصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يقول:"بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ويقول:"ما من شىء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، إن الله يكره الفاحش البذىء، وإن صاحب حسن الخلق، يبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة". كان تدريس الأخلاق حكرًا على بعض الفلاسفة يترفعون به في مجالسهم، أو كان شارة تخصّ المُعَدِّين لعمل معين، حتى جاء الإسلام فجعل الخُلُقَ الفاضل كالنقد المتداول، يسود كل مجلس، ويدخل كل سوق، ويصبغ كل معاملة. ص _050