إن ما يتفق المسلمون عليه كثير، فلماذا لا يتعاونون على تحقيقه؟ أحسب أنهم لو اجتمعوا على ذلك لما بقى لديهم وقت للخلاف على الفرعيات، ولو اختلفوا عليها ما بقى لديهم وقت لتحويل الخلاف إلى حرب باردة أو ساخنة .. !! إننى أحب أهل الحديث، والدارسين لعلومه، وذلك فرع من حبى الجمِّ لصاحب الرسالة، قمة القمم ونبيّ الأنبياء محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه، وأرى أن هذا الجانب من ثقافتنا الإسلامية لابد منه ولا غنى عنه .. لكن من قال: إن رجال الفقه ومجتهديه العظام جانب آخر يغاير الأول، وإن الفقهاء سبب فرقة الأمة، وبعدها عن ينابيع الإسلام الأولى؟ إن هذا الكلام ضرب من اللغو! ولقد تتبعت خلافا في عدد من القضايا نشب بين المشتغلين بالسنة المعْنيين بالرواية، فوجدته لا يقل عما يجرى في آراء الفقهاء من تفاوت. فابن حزم يوقع الطلاق الثلاث، ويرى هذا الحكم ما تدل عليه السنة، ولو كان بكلمة واحدة. وابن تيمية يرى غير ذلك، ويعد الثلاث واحدة مادامت في المجلس أو بلفظ واحد ويبنى على ذلك جواز الرجعة، بينما يرى ابن حزم أنه لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .. وابن حزم يرى الغناء - الحسن - مباحا، ويجيز بيع آلاته من معازف، ومزامير ويرى ابن الجوزى وابن تيمية وابن القيم تحريم هذا كله .. ورأيت خلافا بين الشيخ الألبانى - وهو محدث كبير - وبين الإمامين ابن تيمية وابن القيم، فالألبانى يرى الغسل يوم عرفة بدعة، ويراه ابن تيمية ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: والألبانى يرى الجمع بين الصلاتين في السفر ثابتا! ويقول ابن القيم: لم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم. ويقول ابن تيمية: إن الوضوء من مسِّ الذكر مستحب، ويقول الألبانى بل واجب! ص _113