والسنة مذاهب محترمة، وقد استقر الأمر في ديننا أنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم لا ننتفع بهذه الحصيلة الرائعة من ثقافتنا الإسلامية ونحن نواجه في فلسفة الأخلاق والقانون والحضارة ما لابد من ردِّه بالحسنى؟؟ قد تسألنى ماذا تعنى؟ أقول لك: إننى لا أبخس عظيما حقه لرأى ارتآه قد يخالفه فيه الآخرون ولا أرى حرجا في تجاوز ما يقال عن خطئه، والاستفادة من خيره الكثير بعد ذلك! إن ابن حزم مخطئ في إنكار القياس، والإغراق في الأخذ بالظاهر، بيد أنه عالم فحل في مقارنة الأديان، وفى الاستنباط من الأثر، وله عبقرية في هذا الميدان لا معنى لإهالة التراب عليها. وأبو حامد الغزالى يعترف علماء الغرب أنه ألحق بفلسفة اليونان دمارا محققا في كتابه"تهافت الفلاسفة"وهو أصولى وفقيه، وأديب ومتحدث في التربية والأخلاق لا يُشقّ له غبار! كيف أتناسى كل هذه المواهب لأنه أخطأ في بعض المرويات .. تقول: إنه من أهل التأويل!! إن مفكرى السلف والخلف جميعا اضطروا إلى التأويل، وإن كان السلف أكثر تفويضا وأقل تأويلا. لقد تتلمذت على كتابات لابن الجوزى وابن تيمية والغزالى وابن رشد، وانتفعت من صواب أولئك كلهم، وتركت ما تعقَّبهم الآخرون فيه بحق! وعندى أن تأويل الغزالى حينا لا يخدش منزلته، كما أن إنكار ابن تيمية للمجاز أو توقفه في نفى الجسمية لا يخدش منزلته .. لماذا أذهل عن الجهود العلمية الجبارة التى خلّفوها بعدهم في نصرة الإسلام وردِّ خصومه والنصح لأمته؟ لماذا أتوقع العصمة من البشر، وأجعل الأخطاء القليلة التى تنسب إليهم جبالا تنهدم فوق رؤوسهم وتأتى على ذكراهم، ما أحوجنى وإياهم إلى مغفرة الله وأحوج الإسلام بعد ذلك إلى جهاد أبنائه على اختلاف معادنهم ومنازعهم في الذبِّ عنه، وردِّ الذئاب الشرسة التى تغير عليه في هذا العصر .. ص _112