ومن ثَمَّ فإن كل مسلك يجعل المجتمع الإسلامى أضعف من نظيره الشيوعى أواليهودى أوالصليبى يُعدُّ خيانة أو ارتدادًا.. وكل تفريط مدنى أوعسكرى في خدمة الإسلام فهو عصيان لخوف العُقْبى. إن الكدح لله هنا يتجاوز المسجد ليتناول الحقل، والمصنع، والمرصد، والدكان، والديوان، والبر، والبحر، ومايكتب وما يسمع، وقد يتناول خطرات النفوس وأحلام النيام.. الإسلام رسالة توجب على معتنقيها أن يجعلوا مجتمعهم أجدر بالحياة، وأقدر على النجاح. وكل ما يعين على ذلك فهو دين، أو كما يقول علماء الأصول: ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب.
وعندما ننظر إلى العبادات السماوية نجد أداءها في اليوم والليلة لا يستغرق نصف ساعة، ونجد تعاليمها تستغرق صفحة أو صفحتين، ويبقى الزمان بعد ذلك واسعًا، والمجال رحبًا لفهم الحياة واكتشاف طاقاتها وتسخيرها كُلًا وجزءًا لخدمة الدين. وكل جهد يُبذل في ذلك يُسَمَّى شرعًا: عملًا صالحًا، وجهادًا، مبرورًا، وضميمة إلى الإيمان تؤّهل المرء لرضوان الله.. (فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه و إنا له كاتبون) ومن المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالا بالدنيا عجزة في الحياة، والصالحات المطلوبة تصنعها فأس الفلاح، وإبرة الخياط، وقلم الكاتب، ومشرط الطبيب، وقارورة الصيدلى، ويصنعها الغواص في بحره، والطيار في جوه، والباحث في معمله، والمحاسب في دفتره، يصنعها المسلم صاحب الرسالة وهو يباشر كل شىء، ويجعل منه أداة لنصرة ربه وإعلاء كلمته!!. وإنه لفشل دفعنا ثمنه باهظًِا عندما خِبْنا في ميادين الحياة، وحَسِبنا أن مثوبة الله في كلمات تُقال ومظاهر تُقَام. ص _012