وأشعر في هذه الأيام بأن الحاجة ماسة إلى إحياء ثقافتنا الذاتية، وتنقية جوها وتوسيع دائرتها، فإن الاستعمار الثقافى الملحاح نجح في إعطاب شخصيتنا المعنوية، وفتنة ألوف مؤلفة من عقائدنا وعباداتنا وأخلاقنا، كما نجح في بلبلة ألسنتنا وطىِّ شرائعنا وتحقير شعائرنا، ودفعنا في المجتمع الدولى بلا صبغة حقيقية وهوية متميّزة، وهذا هو الانهزام التام. إن الرجل عندنا قد ينال أعلى الإجازات العلمية في الطب أو القانون، وقد يُّعيَّنُ في أعلى المناصب بأوروبا وأمريكا، لكن صلته بدينه صفر، وعلاقته بجنسه هواء، على حين يكون زميله اليهودى كالإعصار في خدمة الصهيونية، وزميله النصرانى أسرع من البرق في خدمة الاستعمار، فهل هذا المسلم البارد الشعور أوالمرتد القلب يُجدى على أمته شيئًا؟ إنه كالجندى المرتزق بسلاحه يخدم أى مبدأ على ملء بطنه وإيثار عاجلته .. وانتشار التعليم المدنى في بلادنا على أساس تجريده من ثقافتنا الذاتية، وانتماء المحدَّد شىء يضر ولا يسرّ، ويقلق ولا يطمئن .. وعندما نعود إلى قواعدنا الروحية والفكرية لابد من تجنب محظورات كثيرة. * العقائد عندنا أقلّ كمًّا وكيفًا من الكتب التى تعرضها، ومجادلات الفراغ التى حفَّت بها والتى شعَّبت قضاياها دونما سبب .. وهى تُستفاد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في وقت قليل، والمهم أن تتشبث بالقلب، وتتحول إلى قوة دافعة، ونور يضىء الطريق .. * العبادات وعلومها ليست بحراًّ طامًّا لا ساحل له. إنها في ديننا سهلة الفهم والأداء، ويوجد ناس يحبون أن يشرحوا الطهارة للصلاة في شهر من الزمان! إن هذا المسلك ضرب من البطالة المقنّعة، وقد شاع في عصور شتى اعتبار الكلام في الإسلام هو العمل الأول والأخير به. وما كان سلفنا العظيم كذلك قط، كان يتعلم دينه في ساعات قلائل، ثم يشق ميادين الحياة به مستبطنًا روحه، منطلقًا إلى أهدافه في جد وصدق. نعم قد يوجد متخصصون في دراسات معينة، وللتخصص رجالاته ومطالبه، كأى ميدان علمىِّ آخر. ص _035