كانت الخصومات الكبيرة تُحَل قديما بمبارزات فردية يلتقى فيها الخصمان ولا يزال أحدهما يصاول الآخر حتى يصرعه، ويدع جثته في العراء، كما قال شاعر عربىّ:
والله لو لاقيْتَنى خاليًا... لآب سيفانا مع الغالب!
وربما بدأ قادة الجيوش الحرب بهذه المبارزات، قبل أن يتزاحف الجمعان، ويتلاحم العدوّان، وتنجلى المعركة عن فوز هذا أو ذاك.. ثم تسقط بعد ذلك القرى والمدن في أيدى المنتصر.. المهم أن الخسائر الحربية كانت محدودة، وإن كانت النتائج السياسية والاقتصادية والدينية بعيدة المدى.. أما الآن فإن الحروب تشارك فيها ابتداء شعوب كثيفة، ويحشر لها الشباب والشيب والرجال والنساء، وتدور رحاها على سواء في البر والبحر والجو، ويتعرض لمغارمها مَنْ في المقدمة ومن في المؤخرة وترصد لها الألوف المؤلفة من الجنيهات - قبل اللقاء المباشر - وتُنسَّق لها أشتات القوى المادية والأدبية. فالناس قبل الحرب الساخنة في حرب باردة، وقبل الالتحام الدامى في تأهب واستعداد.. وعندما نرمق الشرق الشيوعى أو الغزو الصليبى نجد كلتا الكتلتين متحفزة متجهزة حتى لا تؤخذ بغتة، وحتى إذا دقت طبول الحرب كان كل فريق مبصرًا بحدّة ما يفعل كى ينجو أو يغلب. والفرد في الشرق أو في الغرب يدرى واجبه، ويحمل الأعباء الملقاة عليه برضى، ويعلم أن ذلك قدره فقلما يزيغ عنه.
موقف المسلم في هذا العصر
تُرى ما موقف المسلم في هذا العصر؟ ماذا يصنع لرسالته في زحام هذه الحياة؟ إن ألف مليون مسلم بدأوا القرن الخامس عشر من تاريخهم في ظروف عاصفة. أعداؤهم يعالنون حينا ويواربون أحيانا بنيتهم تجاه الإسلام، وسواء صرَّحوا أولمَّحوا فإن أعمالهم تصرح بما يبيتون!. ص _010