إن الأرض تدور! كى يسكت ويستكين .. ! هل بين أولئك القوم وبين الخوارج القدامى قرابة روحية وفكرية؟ ربما. بيد أن اتهام الخوارج بالافتئات على الأمة يمكن أن يستمع من خليفة راشد أعنى من حاكم وليد شورى صحيحة، له مكانته الخلقية النزيهة .. !! أما أن يتوجه بالتهمة حاكم مستبد متسلط على رقاب العباد مثلا فإن الرد معروف، سيقال له: وما مكانتك أنت من الأمة ومصالحها وقيمتها؟ إن الجو الحُرّ هو المكان الوحيد الذى يموت فيه التطرف، ويتوارى أهله على بطء أو على عجل، المهم أنهم لا يبقون ولا يستقرون! على أن الفساد السياسى لا يسيغ الانحراف العقائدى، ولا العوج الفقهى، وليس الدين ستارة لتغطية العيوب، وإنما هو طهارة منها، وحضانة ضدها، وفى تجاربى ما يجعلنى أشمئز من التدين المغشوش، وأصيح دائما أحذِّر عُقْباه .. إن المنحرفين يسترون - بركعات ينقرونها - فتوقا هائلة في بنائهم الخلقى وصلاحيتهم النفسية، وهم لا يظنون بالناس إلا الشر، ويتربصون بهم العقاب لا المتاب، وهم يسمعون أن شُعَب الإيمان سبعون شعبة، بيد أنهم لا يعرفون فيها رأسا من ذنب، ولا فريضة من نافلة، والتطبيق الذى يعرفون هو وحده الذى يُقرون.
والخلاف الفقهى لا يوهى بين المؤمنين أُخوّة، ولا يحدث وقيعة! وهؤلاء يجعلون من الحبة قبة، ومن الخلاف الفرعى أزمة. والخلاف إذا نشب يكون لأسباب علمية وجيهة، وهؤلاء تكمن وراء خلافاتهم علل تستحق الكشف! كتب أحدهم ردا علىّ جاء فيه أن الدعوة كانت تسبق القتال في صدر الإسلام، ثم نُسخ ذلك وأمسى القتال يقع دون حاجة إلى دعوة تسبقه! وساق حديثا، لم يحسن فهمه! وبدت لى خلال السطور المكتوبة صورة المؤلف المتحمس، إنها صورة قاطع طريق يشنُّ الغارات على الناس باسم الدين .. ! ص _090