حتى أهل مكة، لما بغت فيها"طسم"و"جديس"أحيط بهم، وأصبحوا أحاديث ملعونة، فقال قائلهم: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنَّا أهلها فأزالنا! صروف اللَّيالى والجدود العواثر وليس للحظ العاثر دخل في حرب الإبادة التى شنتها الأقدار على أولئك العرب الفجار! إن العرب البائدة تمردت على الله فأذاقها بأسه!. (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) وما بقى من هذه الأجيال بقى ليروى لنا ما يعتبر به أولو الأبصار ..
ووثب التاريخ وثبة فسيحة، وظهر العرب مرة ثانية على صعيد الحياة، لقد اصطفاهم الله ليحملوا الرسالة الخاتمة بعدما ربَّاهم"محمد"صلى الله عليه وسلم بتعاليمها، وأضاء حناياهم بأشعتها. وفى خلال ربع قرن تقريبًا كان نبىُّ الإنسانية قد استطاع إعداد جيش من المعلمين والمجاهدين، من رهبان الليل وفرسان النهار، من عشاق الخلد ومصلحى الأرض، سبحان من أبدع محمدًا صلى الله عليه وسلم لينشىء هذا الجيل من الأصحاب البررة المهرة، الذين ساحوا في البلاد واجتاحوا جذور الفساد، وكانوا خير أمة أخرجت للناس!!. وفى هذا الدور من الوجود العربى امتزجت خصائص جنس بحقائق رسالة، وكانت كلمة"عروبة"ترادف كلمة"إسلام"وعرف العرب أنهم جسد روحه هذا الدين، فهم به يتحركون وهو بهم ينطلق، ليفتح السجون ويكسر القيود، ويمكن المستضعفين أن يتنفَّسوا الصعداء، ويخرجوا من ضيق الدنيا إلى سعة الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله تبارك وتعالى. إن المدينة المنورة - عاصمة الإسلام يومئذ - كانت أحق بلد في الأرض بقيادة العالم، لأن ما تقدمه من قيم ومناهج كان أرجح في ميزان لاحق مما تقدمه رومية وأثينا ومصر وفارس والهند والصين، إن العرب الأميين حوَّلهم الإسلام إلى أساتذة ص _049