من قضايا الفكر والعمل الإسلامى الهامة، التى تطرح نفسها بإلحاح - مؤخرا: قضية فقدان التوازن الاجتماعى عند كثير من العاملين في حقل الدعوة، وهو يتعامل مع المجتمع الذى قد ينطوى على أخطاء وانحرافات - وذلك بأن يتخذ مواقف متباينة، لا تقوم على فقه صحيح لسنن الله الكونية - في نضج الحقيقة واستوائها في المجتمع، ولا تعتمد على أساليب مدروسة للدعوة الإسلامية .. وتتخذ هذه المواقف: إما صورة الرفض الكامل للمجتمع وتأثيمه والخروج عليه لتغييره - رغبة في تحقيق نتائج عاجلة - أو صورة الانسحاب من المجتمع والهروب منه واعتزاله، بسبب إحباطات عدم الحصول على هذه النتائج العاجلة .. وهذه القضية في مجال الفكر والعمل الإسلامى بالذات - لها سوابق في التاريخ، فقديمًا .. وجدوا أخطاء من الحكم أو من الحكام، فكان موقفهم متباينا بسبب نوع الثقافة الذى سيطر عليهم .. فوجدنا مثلا الخوارج يفزعون إلى سيوفهم، ويطمئنون إلى عقائدهم ويرون أن حبهم للتضحية ووعد الله لهم بالنصر يتيح لهم أن يخرجوا وأن يقاتلوا وأن يحدثوا فتوقا في الدولة لا آخر لها .. والنوع الثانى كان يتمثل في عدد من المتصوفين الذين اعتزلوا المجتمع وأخطاءه، والحكم ومآربه وشهواته، ورأوا أن في العزلة سعادة وأنه خير لهم أن يتركوا المجتمع بما فيه - وفى العزلة سلامة - وإنهم ينظرون إلى الأحاديث التى وردت في الغربة والعزلة ويتأولونها على موقفهم هذا .. الحقيقة التى أراها أن كلا الفريقين مخطئ، فلا الذين خرجوا معتمدين على وقوع الخطأ وضرورة مقاومته كانوا على الصواب الذى يقرره الإسلام، ولا الذين اعتزلوا الخاطئين وانحرافهم كانوا مصيبين أيضا. الإسلام يريد أن يقاوم الخطأ، ولكنه يضع خططًا بعيدة المدى، ويجعل الإنسان على اختلاف الزمان والمكان، وعلى مراحل ممتدة من الزمن يبلغ غايته على مكث، ولله سنن كونية في نضج الحقيقة واستوائها في المجتمع، مهما كانت عقائدنا ومهما كانت حرارة الإيمان في قلوبنا، ومهما كانت ضراعتنا له أن ينصرنا .. لهذا أرى أن الذين يقومون بالعمل الإسلامى الآن، يجب عليهم أن يتعلموا من أخطاء الفريقين في الماضى، وأن يكونوا أصحاب إيمان وأصحاب غيرة على حرمات ص _118