أتابع النشاط الإسلامى المعاصر بحب وخوف. حبّى لأننى مسلم أريد للحقِّ الذى أعتنقه أن يسود، وأن يقوم من عثرته التى طالت! وخوفى عليه لأن الأعداء أقوياء أغنياء يريدون الإجهاز على الدين الجريح، وانتهاز الفرص التى لاحت بعد طول انتظار أو طول تدبير...! إن المدافعين لا ينقصهم غالبًا الحماس والإخلاص وإنما ينقصهم عمق التجربةوحسن الفقه. إنهم يحسبون أن حال المسلمين اليوم وليد علل عارضة، ومن السهل إزالتها في أيام معدودات، أوعلى الأكثر في بضع سنين من حياتهم هم.. ثم يعود المسلمون إلى مجدهم الأول أيَّام الصحابة والتابعين. وما على الشباب إلاَّ أن يُقْدِم ويقاتل ويحطم ما أمامه من عوائق، وسوف يبتسم له النصر بعد مرحلة أومرحلتين. وهذا الاستعجال كان وراءه متاعب كثيرة وخسائر ثقيلة للدعوة الإسلامية بل ربما زاد خصومها تمكينًا وضراوة.! إن حالة المسلمين اليوم تخالف حالة الألمان الذين خاضوا حربًا عالمية ثانية بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، ولمَّا تمرّ على هذه الهزيمة عشرون سنة! إننا نحن المسلمين نتقهقر من عدة قرون، وكأننا في معركة انسحاب من أوائل القرن الثالث عشر للهجرة، وقد قاوم الأجداد والآباء والأعقاب، وورثنا نحن هذه المقاومة الباسلة النبيلة، وكسبنا مواقع وخسرنا أخرى. وأرى أنه لابدَّ من دراسة شاملة لأسباب تقهقرنا المدنى والعسكرى، وما هى العناصر الحيوية التى فقدناها حتى دهانا ما دهانا؟ لابد من بصيرة فاحصة متعمقة تتدبَّر ثقافتنا وتُنفِّى منابعها! وتنقذ مستوانا الحضارى الأخير، وتستكشف أسباب هبوطه!. أكنَّا حقًّا على الفطرة التى فطر الله الناس عليها، أم غلب علينا داء الأمم الأولى فشردنا عن الصراط المستقيم؟ ص _006