إن الذاكرة مستودع عجيب فكيف يغيب في أعماقها ما ننساه، ويطفو على سطحها ما تبقى صورته، لست أدرى! ثم ما قيمة الحرص على هذا التساؤل إذا كان الجواب فوق الطاقة؟ هل تدرى النملة كيف ينظم الشاعر قصيدة مَّا؟ أو كيف يحلُّ الأستاذ معادلة جبرية؟ إنها لا تدرى ولن تدري!! فلم يحاول امرؤ منا أن يعرف كُنْهَ الألوهية؟ وهو لا يعرف نفسه التى بين جنبيه؟ بل لا يعرف جنبيه كليهما .. ! إن تحوُّل الطعام إلى خلايا حية، ثم تحوُّل الخلايا الحية إلى أجسام ميتة تتلاشى، ثم تتجدد أمر مذهل للعقل، ومع ذلك فهو كثير كثرة هائلة في كل لحظة من ليل أونهار عند من قال عن نفسه: (كل يوم هو في شأن) (هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)
وعدت بذاكرتى إلى أيام الدراسة في الجامع الأزهر، من خمسين سنة تقريبا، كنا نحضر علم التوحيد، ونستمع إلى الأستاذ وهو يعرض نماذج من الآيات المتشابهة، لقد شحنت عقولنا بأشياء كثيرة عن قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) وقوله: (يد الله فوق أيديهم) وبعد كلام طويل قال الشيخ رحمه الله: ومذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحكم! قلت له: لماذا؟ قال: ص _097