وعلى أية حال فلا أستطيع بتة أن أعدّ في الدعاة رجلا قليل البضاعة في التاريخ السياسى للإسلام، أو التاريخ التشريعى له، رجلا لا يدرى إلا النزر اليسير عن خصائص الفكر الإسلامى، لأن وعيه غامض في القرآن الكريم، كل ما يعرفه بضعة أحاديث إن صح سندها، فهو لا يدرى كيف يضعها مواضعها. لا نستطيع أن ننظم في سلك الدعاة امرءًا لا يعرف عن العالم المعاصر شيئا، ولا عن الفلسفات التى تحكمه، ولا أسرار رجحان الإسلام عليها .. لا نستطيع أن نعقدَّ من الدعاة امرءًا يريد نشر الإسلام في الغرب بنقل تقاليد وعادات يظن أنها من الإسلام، وهى في حقيقتها ليست من الإسلام، وقد تكون منفرة للقوم هناك .. كأن يسلب المرأة حقوقها التى أقرها الإسلام تحت وطأة عادات اجتماعية في بيئة معينة .. ولا يعنى ذلك أبدا إقرار المجون الفاضح والاختلاط الفاحش الشائع هناك .. فالإسلام شىء غير العادات المستقرة هنا أو هنا، وله أحكامه التى يقررها العلماء لا الدهماء .. إن هناك علماء دين لا يعرفون شيئا عن حقوق الإنسان، لا يعرفون شيئا عن الدساتير التى أرست العلاقات بين الدولة والشعب، لا يعرفون شيئا عن الطور الذى بلغته العلاقات بين الدول .. والأنكى أنهم لا يعرفون وضع مجموعة الدول الإسلامية بين غيرها من المجموعات، ولا يحسون ما يُبيت لدينهم بليل، ولاما يرسم لتحديد مستقبلهم الثقافى والاجتماعى. ويتبع هذا القصور العقلى أن القضايا التى يستولى عليها الاهتمام، وتقع عليها المفاصلة تكون من النوع الهامشى أو الخيالى أو التاريخى البالى .. عرب العصر الحديث ولنعد إلى عرب العصر الحديث الذين يريدون الاعتزاز بغير الإسلام، والذين يتعمدون إهمال شرائعه، وإسقاط شعائره .. المعروف أنه إذا عزّ الإسلام عزّ العرب، وإذا ساد سادت لغته وآدابه، بيد أن المستغرب في مسلك القوم أنهم يتعصبون للعروبة، ويتنكرون للسيد الأوحد الأمجد ص _060