ومهما تعصبت الوثنية والصليبية والصهيونية ضد الإسلام، فإن الحقائق الكبرى التى أشرق بها هذا الدين لن تستخفى عن العيون، ولن تذيبها الضغائن السود! ماذا كان في فارس والروم من مناهج الحكم التى طبقت في المدينة المنورة؟ بل ماذا كان فيهما من سياسة الأخلاق وأصول التربية؟؟ لقد كان من مصلحة الإنسانية المجردة أن تختفى هذه الأمبراطوريات البالية، وهذه النحل المخرفة الجائرة، وأن يطلع الإسلام على الدنيا ليزكيها ويعلى مستواها ..
ثم تراخت الليالي، وانقضت أيام وأيام، وذهب عرب القرون الوسطى وطلع العصر الحديث على عرب آخرين! إنها خلوف يتفرس المرء فيها فتغمر قلبه كآبة ثقيلة .. وموقف أولئك العرب يحتاج إلى استبانه وتفصيل، وإن كانت الهزائم المادية والمعنوية تغزو كل أفق وتكسوه بالقار. هناك حديث مسموع بالمجالس، ولغط يعم الميادين الثقافية والاجتماعية أن العروبة يمكن - بل يجب - أن تنفك عن الإسلام، وأنه بعد هذا الفصل تكون الصدارة لها لا له .. !! إنه - إن صح له بقاء - سوف يكون تابعا يتحرك بقدر، ووفق ما يصدر له من أمر! وقد ولدت فكرة القومية العربية، وشتى النزعات التى تشبهها لتضع جماهير المسلمين داخل هذا الإطار، فالولاء للجنس لا للدين، وللوطن لا للعقيدة! والحرب الخفية والجلية لابد أن تدور رحاها ليلا ونهارا لتطحن كل ما يعترض هذه الغاية الفاجرة. وعلى القادة العرب أن يتأسَّوْا بالقائد التركى المرتد""
مصطفى كمال"فإما بلغوا مرادهم طفرة، أو على مهل! المهم أن يصلوا يوما إلى جعل الأمة العربية علمانية مبتورة العلاقة برسالتها وتراثها .. وقد اصطدمت حركة الارتداد تلك بمقاومة صلبة، ولكن الغزاة وعملاءهم يركبون الصعب والذلول لإدراك مأربهم، وكلما ظنوا أنهم قاربوا النصر هبت عليهم موجة من أمواج الإيمان المكافح فلَّت حدَّهم وخيبت أملهم، ويستأنف المرتدون ص _058"