أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عز وجل برحمته وعونه وتأييده ..". أما بُعْده هو وأهله عن كل عمل يُشم منه استغلال النفوذ فهاكم ما ذكره الأستاذ الخضرى في محاضراته .. قال: لما ترك ملك الروم الغزو - وشرع في الصلح - وكاتب عمر وقاربه، سَيَّر إليه عمر الرسل مع البريد فبعثت أم كلثوم بنت على بن أبى طالب - وكانت زوجة لعمر - هدية إلى ملكة الروم، فيها طيب ومشارب وأحناش من أحناش النساء، ودَسَّتْه إلى البريد فوصَّله لها، وجمعت امرأة القيصر نساءها، وقالت لهنَّ: هذه هدية امرأة ملك العرب، وبنت نبيهم! وكاتبتها وأهدت لها، وكان فيما أهدت عِقْدٌ فاخر! فلما انتهى البريد إلى عمر أمر بإمساكه، ودعا: الصلاة جامعة!! فاجتمع الصحابة وصلى بهم عمر ركعتين، ثم قال: إنه لا خير في أمر أُبرم بغير شورى، قولوا في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة ملك الروم؟ فقال قائلون: هُوَ لها بالذى أهدته إليها - أى في مقابله - وليست امرأة الملك بذمَّة فتصانع به .. وقال آخرون: قد كنا نهدى الثياب لنستثيب - أى لنتلقى جزاءها هدية قد تكون أفضل. قال عمر: ولكن الرسول - الذى حمل - رسول المسلمين، والبريد بريدهم .. ورأى عمر أن الهدية المرسلة إلى امرأته فاخرة ثمينة، وأن العقد على صدر امرأته يقلقه، فصادره لحساب بيت المال، وأعطى امرأته ثمن ما أنفقت في هديتها الأولى .. قال المؤرخون: وكان عمر إذا نهى الناس عن أمر من الأمور جمع أهله فقال: إنى نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم يفعله إلا أضعفت عليه العقوبة .. إن عمر استعف وأعف أهله عن دانق من المال العام، وكان مثل الخليفة الأول يكدح في خدمة الأمة ورسالتها إيمانا واحتسابا .. لقد قدَّم المسلمون للدنيا في المجال الفردى والاجتماعى والسياسى مبادئ ونماذج شَدَهَتِ الناظرين، وسحرت المراقبين. إن العرب في العصر الوسيط لم ينطلقوا من فراغ، لقد صبَّهم الإسلام في قوالبه، ثم قذف بهم في المشارق والمغارب، فأعادوا تشكيل العالم أجمع على نحو جديد .. وأسلست الجماهير قيادها للدين الوافد لأنها رأت فيه نجاتها وكرامتها .. ص _057"