إن ممثلى الشعب يأكلون هنيئا ويشربون مريئا من مال الشعب، ويقولون عن الدين: إنه أفيون الشعوب، وعن أمراء المؤمنين: انهم آكلو الشعوب! ترى لو أن"خروشوف"بات ليلة واحدة في الحجرة الممردة من سعف النخيل، وتقلب على فراش من القشِّ يقيه نزَّ الأرض ورطوبتها، ماذا كان يقول! هل يبقى على قوله: إن الدين يخدِّر الشعوب، وإن الخلفاء يأكلون الجماهير؟ أم يعلم أن آكلى الشعوب قوم آخرون!! في هذا المسكن المتواضع أقام الرجل الذى وضع الخطة لطرد هرقل من الشام إلى الأبد، وطرد كسرى من عاصمته وكان يقيم في قصره الأبيض الذى وصفه البحترى بقوله:
لستُ أدرى أَصُنع إنسٍ لجنِّ ... سكنوه أم صُنعَ جِنِّ لإِنس؟
وجاء بعد أبى بكر عمر بن الخطاب، رجل الدولة العظيم، وعبقرى الحرب والسلام، ومنصف الجماهير من رؤوسها! والذى يعنينا هنا إبراز خُلَّتين اثنتين من سيرته الماجدة: شعوره الغامر بمسؤولية الحكم، وقلقة من حسابه عنه أمام الله .. ثم رفضه الصارم لكل ذرة من استغلال الحكم للنفس أو للآل .. !! في منقبته الأولى، نذكر قوله:"لو أن جملا هلك ضياعا بشطِّ الفرات، لخشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب - يعنى نفسه - ويشبه ذلك ما روى عنه أيضًا:"لو أن بغلا عثر بالعراق لحسبت عمر مسؤولا عنه: لِمَ لمْ يسوِّ له الطريق؟؟ وعن أبى رواحة كتب عمر بن الخطاب إلى الولاة:"اجعلوا الناس عندكم في الحق سواء، قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم! إياكم والرشا، والحكم بالهوى، وأن تأخذوا الناس عند الغضب، قوموا بالحق ولو ساعة من نهار ..". وخطب يوما فقال:"أيها الناس إنى قد وُلِّيتُ عليكم، ولولا رجاءُ أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدَّكم استضلاعًا بما ينوب من مُهِمِّ أموركم، ما توليت ذلك منكم .. ولكفى عمر مُهِما مُحزنا انتظار مواقف الحساب بأخْذ حقوقكم، كيف آخذها، ووَضْعها، أين أضعها؟ وبالسير فيكم، كيف أسير؟ فَرَبِّىَ المستعان"، فإن عمر ص _056