فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 140

(ط) والحكم في الإسلام أمانة ثقيلة يوجل منها الأقوياء فكيف يرنو إليها الضعفاء؟ إنه ليس جنون العظمة عند محب للسلطة، ولا الاعتداد بالنفس سواء كان هذا الاعتداد وليد قدرة ذاتية، أو وليد حالة مرضية .. !! إن الحكم - عند من يكلف به - مسئولية فادحة أمام الله، والحاكم أجير عند جمهور المسلمين، يرعى مصالحهم الدينية والمدنية لقاء ما يأخذ من مرتبات .. ولننقل من سيرة أبى بكر ثم من سيرة عمر رضى الله عنهما ما يصور هذه المعانى، وما يكشف إجمالا سياسة المال والحكم في الإسلام .. قال أبو بكر لأم المؤمنين عائشة حين حضرته الوفاة:"هذا يوم يُجْلَى لى عن غطائى، وأشاهد جزائى! إن فرحا، فدائم، وإن ترحا، فمقيم ..""إنى اضطلعت بإمامة هؤلاء الناس حين كان النكوص إضاعة، والخذْلُ تفريطا"يعنى أنه ما رغب في الخلافة، ولا أحبها، ولكنه أحس أن الجبن عن قبول المنصب المعروض سيعرض الأمة لفتن شداد، ولذلك يقود بعد:"فشهيدى الله ما كان يقيلنى إياه - ما كان يقبل منى تركه - ..". ويذكر أبو بكر أنه ما أخذ من مال الأمة إلا النزر اليسير، صفحة فيها لبن من ناقة خصِّصت له من بيت المال، فيقول:"فتبلَّعت بصَفْحتهم، وتعلَّلت بدرَّة لقحتهم، وأقمت صلاتى معهم، لا مختالًا أشرا، ولا متكاثرا بطرا .. !! لم أعد - أتجاوز - سد الجوعة، وَوَرْىَ العورة، وقواتة القوام! - قدر ما يعيش به من القوت الذى يمسك حياته -". ثم يستشهد الخليفة الأول بالله أنه اضطُر للأكل من بيت المال دفعا للجوع، وأن أحشاءه كانت تمتعض لغثاثة الأكل الذى يتناوله! ولكن المضطر يستسيغ المرَّ! وعبارته هى"حاضرى الله مِنْ طَوى ممعض تهفو منه الأحشاء، وتجب له الأمعاء، فاضطررت إلى ذلك اضطرار المريض إلى المعيف الآجن". ثم يوصى الخليفة المحتضر ابنته أن ترد على المسلمين ما أخذه من مالهم، فيقول: ص _054

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت