وهنا قضية تتصل بما بدأنا الحديث عنه .. وهى أن بعضهم يرى أن المسلمين أغنياء جدا في الفقه التشريعى، وفقراء جدا في الفقه السياسى بمعناه الإدارى والدستورى، وما إلى ذلك .. وهذا قد يدعو إلى شىء من التخبط في الرؤية السياسية لأنها لم تزل عبارة عن مبادئ عامة لم تترجم - تاريخيّا - إلى فقه وبرامج تشكل خصوبة في التصور عند الفرد المسلم، يمكن أن يتعامل مع الحياة من خلاله .. والسؤال هنا هل كان هذا ثمرة لانفصال السلطان عن القرآن في التاريخ الإسلامى؟ علما بأن الكثير من الآيات التى وردت تحض على النظر والاعتبار، والدعوة إلى الشورى هى أقرب في طبيعتها إلى الفقه الاجتماعى والسياسى منها إلى الفقه التشريعى، وعلما بأن النمو لا يزال مستمرا في الفقه التشريعى، بينما نعانى من ضمور في الفقه السياسى ... كيف يمكن أن يتخلص المسلمون من بعض هذه المعاناة؟ .. ولابد من الاعتراف ابتداء بأن فقه العبادات، وجوانب من فقه المعاملات اتسع عندنا اتساعا أكثر من اللازم، وأن الاستبحار التشريعى في أمور الطهارة والصلاة والحج والزكاة وما إلى ذلك كان أكثر مما يطيقه الفرد المسلم أو المجتمع المسلم، وقليل من هذا كان يكفى الناس، كما أنه عدة أسماء لحقيقة واحدة ليس بلازم أن يعرفها الجميع لكن لاشك أن في الأمة الإسلامية تخلفا في سياسة الحكم وسياسة المال، فأما في سياسة المال فمعروف أن فتنة أمتنا المال كما جاء في الحديث:"فتنة أمتى المال".. والفتنة تجيء من مصادر الكسب ومن طرق الإنفاق، فلا مصادر الكسب وضعنا لها مصافى تحجب الحرام وتتيح مرور الحلال، ولا طرق الإنفاق وضعنا عليها رقابات قانونية تمنع التبذير الجنونى وتمنع السفه في إراقة المال في غير موضعه، وربما سبقتنا الآن أمم كثيرة في هذا، حيث وضعت للمال سياسات دقيقة في إنفاقه وفى كسبه، تظهر في الموازنات العامة التى تضعها الدول، فالدول تفرض على الحكومات ألاَّ يؤخذ من الشعب قرش واحد إلا بقانون أو إلاَّ بتشريع واضح يُرى معه أن الدولة محتاجة، ولا ينفق شىء إلا بالدقة نفسها التى تتبع في الكسب، وإعلان الحرب كذلك لا يترك لنزوات فرد يخاصم أو يسالم كيف يشاء، وإنما الأمة التى تدفع من دمها ثمن الحروب وتضحيات القتال هى التى تبت في مثل هذه الأمور .. ص _124