قلت: في القرآن آيات محكمة وأخرى متشابهة لكن ما نسبة المتشابه إلى المحكم؟ إن المحكم هو أمُّ الوحى، وصلب الكتاب، وأساس للتكاليف، ويعنى هذا أن العزائم تتجه إلى المحكم تعمل به، وتقف نشاطها عليه، أما غيره - وهو محدود النطاق - فإن الانشغال به عِوَجٌ في في الفكر وزَيْغٌ في القلب، حسبنا أن نمرّ به مرّ الكرام لا نستقصى ولا نتكلف، فإن طول الوقوف عنده لا يفيد أولًا، ثم إنه يكون على حساب المحكم ثانيا، سنقصِّر فيه بعدما بدَّدنا الوقت في غيره .. قال قائل: لكن آباءنا اختلفوا بعدما فكّروا، ما نستطيع إنكار ذلك، وفى البلاد من يتعصب للسلف الذين أقرُّوا الآيات على ظاهرها، وفيهم من يتعصب للخلف الذين أوَّلوها والتمسوا لها معانى معقولة، فماذا نصنع؟ قلت: إن التعصب الأعمى مرفوض! وعند التدبّر نجد أمرا لابد من إبرازه، إن السلف والخلف جميعا يُسبِّحون بحمد ربهم ويقدسون له، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إنهم جميعا يؤمنون بوجوده، وأنه الحىّ القيوم، وأنه ليس كمثله شىء، وأن ما ينسبه إليه اليهود والنصارى من تجسد، أو تعدُّد، أو مظاهر بشرية خطأ محض.! وعبارات السلف والخلف تتجه كلها إلى تلك الغاية، وقد تضطرب أساليب الأداء! وإذا لم يكن الخلاف لفظيّا فهو قريب من الخلاف اللفظى. إن القرآن كتاب يُؤسس اليقين في القلوب، وينشر الخير في المجتمع، ويحدِّث الناس عن الله ليعرفهم بعظمته، ويُنشئِّهم على تقواه! وقد نزل القرآن باللغة العربية، وجرى على قواعدها وأساليبها في التصوير والتأثير، وعندما نتدبره على الوجه الصحيح نلزم الصراط المستقيم، بيد أن للعقل الإنسانى شطحات تكلِّفه أحيانا أن يسأل عما لا جواب له: إذا كنت أحفظ القرآن فأين مكان المحفوظ من رأسى أو قلبى؟ لست أدرى .. ص _096