الله وأصحاب رغبة في التغيير إلى ما هو أفضل، ولكن متابعة هذا التغيير حتى يصل إلى مداه لا يتم وفق مشيئتنا، ولكن وفق سنن الله الكونية، وقد خضع النبى صلى الله عليه وسلم لهذه السنن، وعندما استعجله أصحابه وقالوا له ادع الله لنا - لأن الآلام التى برحت بهم جعلتهم يجأرون بالشكوى - كانت الإجابة النبوية: (والله لينصرن الله دينه ولكنكم تستعجلون) .. كانت الإجابة النبوية، أن الرجل قديما كان يؤتى به فيُشق نصفين ما يفتنه هذا عن دينه، فلا بد للإيمان من ضحايا، ولابد لحركاته التى تغير العالم وتكتب فيه صفحة جديدة من وقود، يقوم المؤمنون بإمداد سنن الله الكونية بمتطلباتها في هذا المجال، وليس لهم أن يستغربوا، ولا أن يتعجلوا، وأعتقد أن الاستعجال هنا أو الاستغراب جهل بسنن الله الكونية، فلم يكن أحد أعظم خلقا ولا أكثر دماثة من النبى صلى الله عليه وسلم في عرضه لحقائق الإسلام، وفى تلطفه لبلوغ غاياته، ومع ذلك فإن الذين ربطوا أوضاعهم ومصالحهم بما مضى أو بما استقر من أوضاع، كانوا حريصين على كره الإسلام ومخاصمة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويقول الله سبحانه وتعالى في هذا: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا) ويقول في هؤلاء: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) والمشيئة هنا ليست أكثر من توضيح لسنن الله الكونية. ويفسر بعضهم هذه الظاهرة بأنها نتيجة عدم فقه السنن الكونية، والوقوع في إحباطات نتيجة لعدم الحصول على نتائج .. فحينما لا يحصل الإنسان على النتيجة التى يحلم بها أو يراها، يقع في إحباط يجعله ينعزل عن المجتمع وينسحب منه أو يخرج عليه أو يذوب فيه، فالمشكلة تكمن في عدم إعطاء السنن الكونية مكانتها في العقل الإسلامى، حتى إن بعضهم يرى بأن المسلمين لا يفتقدون الإخلاص والإيمان في هذه المراحل - وقد قدموا الكثير من الوقود للعمل الإسلامى - لكنهم يفتقدون الإدراك وفقه السنن التى تحكم الحياة والأحياء .. ولا يمكن أن يكون إخلاص الإنسان مهما كان عميقا وحبه لله مهما كان ص _119