قديما وحديثا وجد أولئك المنحرفون من حملة الأسماء الطنانة، فكانوا بلاء على أممهم، ودفعت الشعوب آلافا مؤلفة من القتلى، ثمنا للمجد الشخصى الذى يزعمه رجل يقول: أنا الدولة .. ! أو أنا وحدى .. ! والاستبداد السياسى هو البيئة الخصبة لإنبات هؤلاء الفراعين، ويؤسفنا القول: إنه في الشرق أكثر منه في الغرب، وهو السَّدُّ الأعظم أمام ارتقاء أمم شتى والسر في انتشار رذائل المَلَق والصَّغَار في جنباتها .. وعندما أبحث عن جراثيم الانحراف بين المتدينين أجد هذا اللون من الفرعنة وراء جملة من المسالك التى نشجبها، ونضيق بأهلها، فبعض الجماعات نبتت أفكارها في السجون، ونمت أشواكها وراء القضبان، يوم استطاع رجل فرد أن يأمر باعتقال ثمانية عشر ألفا في عشية واحدة، وأن يدخل الكآبة والذل على ثمانية عشر ألف بيت من المسلمين!! هل أدافع بهذا القول عن التطرف؟ لا، فأى عالم مسلم يأبى العِوج الفكرى، والانحرافات النفسية! إن هذا الشباب مختل المزاج، فصاحب الرسالة ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وهؤلاء الشبان ما خُيِّروا بين أمرين إلا اختاروا أصعبهما. والإسلام يقدم الدليل، ويؤخر العنف، فما يلجأ إليه إلا كارها، أما أولئك الشبان فقد نظروا إلى الأسلوب الذى عُوملوا به، واستبيحت به دماؤهم وأعراضهم فلم يروا أمامهم إلا السلاح!. ويوجد بين المتدينين قوم أصحاب فقر مدقع في ثقافتهم الإسلامية، وإذا كان لهم زاد علمى فمن أوراق شاحبة بعيدة عن الفكر الإسلامى الصحيح والأقوال الراجحة لفقهائه! وهم يؤثرون الحديث الضعيف على الصحيح، أو يفهمون الخبر الصحيح على غير وجهه، وإذا كانت المدارس الفكرية في تراثنا كثيرة، فهم مع ظاهر النص ضد مدرسة الرأى، وهم مع الشواذ ضد الأئمة الأربعة، وهم مع الجمود ضد التطور، وقد سمعت بعضهم يحارب كروية الأرض ودورانها، فلم تهدأ حربه حتى روى له أن ابن القيمّ يقول باستدارة الأرض! ومازال البحث جاريا عن رواية أخرى تقول: ص _089