وكما رأينا من سَبَّاق للكلام في الدين لا حصيلة له إلا اللغو والهباء، فالوعظ لا يبلغ هدفه مهما كان بليغا إذا قارنته نية مغشوشة .. سمع الحسن البصرى ناصحا قوىّ البيان، لكنه لم يتأثر به، فقال له:"يا هذا، إن بقلبى شيئا أو بقلبك .. !". والآفات النفسية تشيع بين ناس كثيرين، فيهم المتدين وغير المتدين، وعلماء التربية يرون هذه العلل أخطر من الرذائل المادية. ومن المقرر أن معاصى القلوب أخطر من معاصى الجوارح! فالكبر شر من السكْر، وإن كان الشارع أعد عقوبة عاجلة للسكارى، إلا أنه أرجأ المستكبرين ليوم تطؤهم فيه الأقدام .. والسر في هذا أن السكران يتناول ما يضره وحده غالبا، فهو بالخمر يفرى كبده ويحقر عقله، أما المتكبر فهو يجتاح حقوقا، ويظلم مستضعفين، ولا يقف دائرة عدوانه عند حدّ .. ولا تحسبن الكبر صعر الخدّ وتثاقل الخطو! فهذه مظاهره الطفولية! الكبر بطر الحق وغمط الناس، وانتهاج مسلك يفرض شهوة فرد على جماهير غفيرة. وتدبر سياسة هؤلاء المرضى العتاة، وهم يقلبون الحق باطلا والباطل حقا. يقول موسى لفرعون: (قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل) ويكون جواب الطاغية وملئه: (إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم) رجل يريد الفرار بقومه من العذاب فيتهم بأنه يريد إخراج المواطنين من أرضهم .. فإذا عرف نفر من الأتباع الحق وآمنوا به، قيل لهم: (آمنتم به قبل أن آذن لكم) سبحان الله! لماذا ينتظر إذنك؟ ص _088