وقلت: إذا كان التنفُّل يعجز عن إحسان واجب فلا مكان له، وضربت مثلًا لذلك: إذا كان صوم التطوع يعجز المدرس عن تصحيح ورقة إجابة فلا ينبغى له أن يصوم، وكذلك إذا كان شىء من ذلك يعجز الطبيب عن إجادة فحص المريض، أو تصوير الموضع المصاب، أو كتابة الدواء اللازم. إن الله سبحانه أعفى جمهور المؤمنين من قيام الليل وطول القراءة فيه، إذا كانوا يعانون من الجهاد في سبيل الله، أو طلب الرزق من هنا ومن هناك. (والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرءان علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه) ولقد كان ابن مسعود يؤثر الإفطار على الصيام - صيام التطوع - لأن الفطر أعون له على قراءة القرآن، وكان ابن مسعود رضى الله عنه، يتأنق في تلاوته، وكان النَّاس يأخذون القرآن عنه. والواقع أن العبادات العينية أو الكفائية وسائل لتزكية الفرد ورفعة المجتمع، والمؤمن الحصيف يقبل على ما يلائمه من هذه وتلك، دون محاولة للفرار من واجب يتعين عليه. فالغنىُّ عبادته الأولى: البذل وإسعاف المحتاجين، ولا يصلح له الصيام وقيام الليل، إذا كان الصيام والقيام مَهْرَبًا له من الإِنفاق في سبيل الله. والقارئ الفقيه عبادته الأولى: النصح وتعليم الخاصة والعامة، ولا يصلح له الاعتكاف، والخروج بالصمت عن"لا"و"نعم"في مواطن الأمر والنهى وشيوع الفتن.."ص _020"