فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 140

من عهد بعيد والعرب لا يقومون بواجبهم تجاه لغة الوحى ولا عذر لهم في ذلك عند الله ولا بين الناس .. إن المصريين والشاميين وغيرهم، تركوا لغاتهم الأولى وآثروا لغة القرآن، أى: أن حبهم للإسلام هو الذى عرَّبهم، فهجروا دينا إلى دين، وتركوا لغة إلى أخرى. وإذا كان للعرب فضل فهو أنهم حملوا الإسلام إلى العالم، وبلَّغوه بشجاعة وبسالة فائقتين، لم تُعرفا عن أتباع نبى من قبل، إن أصحاب عيسى عليه السلام عجزوا عن مثل هذا الصنيع، ومكنوا رجلا يهوديا، كبولس، أن يحوِّل الرسالة عن غايتها، وأن يزحزح دين عيسى عليه السلام عن قواعده الأولى. ويجب أن نثنى على العرب لأنهم صانوا بدقة، وبلغوا بأمانة، وقدموا أرواحهم فدى لما يعتقدون. لكن العرب بعد ذلك تركوا الدين واللغة ودائع لدى غيرهم، فلم ينهضوا بنشر اللغة، ولم يبذلوا جهدا يذكر في شرح قواعدها وآدابها للآخرين! واضطر الأعاجم إلى النهوض بهذا العبء، فكانوا علماء النحو والصرف والبلاغة بفنونها الثلاثة: المعانى، والبيان، والبديع. وإذا كان المسلمون من غرب آسيا وشمال أفريقية قد استعربوا بالإسلام، فإن تعميم ذلك على سكان الأرض متعذر، وكان يجب على الجنس العربى أن يبذل جهودا شاقة في توسيع دائرة العربية، حتى تجتذب الهنود والأتراك والفرس والأندونيسيين والأفارقة الزنوج .. إلخ. ونحن نسجل بحزن أنه لم يُبذل جهد يذكر في تعريب الأتراك، وهم الجنس الحاكم طيلة ستة قرون، وأن الإسلام دخل البلقان، ولم تدخله اللغة، فخرج تاركا آثارا مهتزة، وأن جنوب آسيا وشرقها كذلك .. والعرب هم سُبع المسلمين فقط، وواجبهم تعليم لغتهم لإخوان العقيدة بل واجبهم نشر لغتهم في أقطار الأرض كلها، لأن رسالتهم عالمية، وفرض عليهم أن يمهِّدوا الطريق إليها .. قد تقول: إن العرب بدعوتهم إلى الإسلام يدعون ضمنا إلى تعلم العربية، لغة الوحى، وأسلوب المناجاة بين الله وخلقه في الصلوات المكتوبات .. ص _064

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت