كان الخليل بن أحمد منقطعا إلى الليث بن نصر بن سيار، وكان الليث من أكتب الناس في زمانه، وكان بارع الأدب بصيرا بالنحو والشعر والغريب، وكان يكتب للبرامكة، ويطير معهم في دولتهم بجناحين، وكانوا به معجبين، فارتحل إليه الخليل بن أحمد، فلما عاشره وجده بحرا، فأجزل له وأغناه، وأحب الخليل أن يهدي إليه هدية تليق به، فأقبل وأدبر، وعلم أن المال والأثاث لا يقع منه موقعا حسنا لوجود ذلك عنده، وكثرته لديه، وأنه لا يسر بشيء سروره بمعنى لطيف من الأدب، فجهد نفسه في تصنيف كتاب العين، فصنفه لليث بن نصر دون سائر الناس، ونمقه وحبره، وأخرجه في أسرى ظرف وأحسن خط، فوقع منه موقعا عظيما، وسر به سرورا شديدا، فوصله بمائة ألف درهم، واعتذر إليه من التقصير، وأقبل ينظر فيه ليلا ونهارا، ولا يمل منه ولا يفتر، وكان يغدو ويروح على البرامكة فكأنه على الرضف حتى يرجع إلى الكتاب وينظر فيه، إلى أن حفظ نصف الكتاب، وكانت تحته بنت عم له، وكانت سرية نبيلة موسرة جميلة، وكانت تهوى ابن عمها وتجلّه، فاشترى الليث جارية نفيسة فائقة الجمال بثمن جزيل فأقعدها في منزل صديق له يتسرى
بها، فبلغ ذلك ابنة عمه، فوجدت من ذلك أشد وجد وحزنت وقالت: والله لأغيظنه ولا أتقي الغاية، وقالت: إن غظته في المال فهو لا يبالي به ولا يكترث له، ولكني أراه مشغوفا بهذا الكتاب، وقد هجر كل لهو ولذة، وأقبل على النظر فيه، والله لأفجعنه به، ثم عمدت إلى الكتاب بأسره فأحرقته، فلما كان بالعشي وراح الليث من دار البرامكة ودخل المنزل لم يكن له هم إلا الكتاب، فصاح بالغلام أن يحمله إليه فلم يوجد الكتاب، وكاد يطير طيشا، وظن أنه سرق، فجمع غلمانه وتهددهم، فقال بعضهم: يا سيدنا أخذته الحرة، فبادر إليها ليترضاها ويسترجع الكتاب وقال لها:
ردي الكتاب والجارية لك، وقد حرمتها على نفسي، فأخذت بيده وأدخلته البيت الذي أحرقته فيه، فلما نظر إلى رماده وصح عنده أنه احترق سقط في يده، وظن أنه أصيب بمال عظيم أو بولد أو أعظم منه، وكان قد حفظ نصف الكتاب وبقي عليه نصفه وقد مات الخليل، فطلبه في الدنيا كلها فأعجزه ذلك، ولم تكن النسخة وقعت إلى أحد، فاستدرك النصف من حفظه، وجمع على النصف الباقي علماء أهل زمانه فقالوا: ما تروم؟ قال: مثلوا عليه فمثلوا فلم يلحقوه ولا شقوا غباره، فأنت ترى ما في أيدي الناس من ذلك، فإذا تأملته تراه نصفين: النصف الأول أتقن وأحكم، والنصف الآخر مقصر عن ذلك».
وتهمم ابن درستويه عبد الله بن جعفر المتوفى سنة 347هـ بشأن هذا الخلاف القائم حول العين في أنه للخليل أو غيره فألّف في ذلك كتابا ذكره القفطي في إنباهه (ج 1، ص 343) وهو يترجم الخليل فقال ما نصّه:
«وأما كتاب العين فقد اختلف الأئمة فيه، فمنهم من ينسبه إليه، ومنهم من يحيل نسبته إلى الخليل، وقد استوفى ابن درستويه الكلام في ذلك في كتاب له مفرد لهذا النوع، ملكته بخط تيزون الطبري وهو تصنيف مفيد» .
وأيا كان الأمر في نسبة العين إلى الخليل فقد وقع الاتفاق على أن به من الخلل والغلط والتخليط ما يتنزه الخليل عن مثله.
وسمي الكتاب العين اعتبارا بأول أبوابه جريا على مألوف العرب في تسمية الكل باسم بعضه.
وتتصدر العين مقدمة تتضمن التصريح بنسبته إلى الخليل، وتعين غرضه من تأليفه، وتشرح منهجه في عمله، وتصف الترتيب الذي سار عليه فيه.
وفي ضمنها أيضا كلامه في مخارج الحروف وصفاتها، وتعداد التقاليب التي أدار عليها الكلم في الأبنية ثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية، مخلّلا ذلك بما اعتمده من آراء في اللغة والنحو والتصريف.
من مخطوطات العين مخطوطة بالكاظمية بمكتبة آية الله السيد حسن الصدر تمت كتابتها سنة 1054هـ.
وأخرى بمكتبة مجلس الأمة الايراني بطهران فرغ منها كاتبها سنة 1087هـ.
وثالثة بمكتبة المتحف العراقي ثم انتساخها سنة 1355هـ.
طبعت قطعة من أوله في 144صفحة بعناية الأب أنستاس ماري الكرملي سنة 1914م.
ثم طبع جزؤه الأول محققا بعناية الدكتور عبد الله درويش ببغداد سنة 1967م.
ثم قام الدكتوران مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي بتحقيق جزئه الأول مرة ثانية، وطبع تحقيقهما ضمن سلسلة المعاجم والفهارس بمطابع الرسالة بالكويت سنة 1980م.