فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 811

(( من جامع المشرك فهو مثله ) ) (أي من خالطه بجسده وسكنه ومعاملته، وكان ذلك غالبًا عليه فهو مثله في الضلال، وإن كانت نسبة الضلال تختلف كما ذلك في الإيمان، فكما أن الإيمان درجات فكذلك الضلال درجات فمن جامع المشرك فهو مثله، ثم أكَّد ذلك عليه الصلاة والسلام بعبارةٍ فيها رهبة شديدة ألا وهي قوله عليه الصلاة والسلام:(( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين ) )والسبب في ذلك من الناحية النفسية أن الطبع سرّاق، وبخاصة أنه يسرق الشر ولا يمتص الخير إلا بصعوبة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الحقيقة في بعض الأحاديث الصحيحة منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( مثل الجليس الصالح كمثل بائع المسك إما أن يحذيك -أي يعطيك مجانًا- وإما أن تشتري منه وإما أن تشم منه رائحةً طيبة ) )يعني عليه الصلاة والسلام أن المسلم إذا خالط الناس الصالحين أكتسب منهم ولابد، وادنى درجات الإكتساب في هذا المثال أن يشم منه رائحة سليمة وطيبة، وبالعكس قال عليه السلام: (( ومثل الجليس السوء كمثل الحداد إما أن يحرق ثيابك وإما أن تشم منه رائحة كريهة ) )وبإختصار هذا الحديث يعني: أن الصاحب ساحب، الصاحب ساحب، إن كان صالحًا سحب جاره إلى الخير، وإن كان طالحًا فاسدًا سحب جاره إلى الشر، ثم حكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنا مثالًا واقعيًا ممن وقع في بعض الأمم من قبلنا، فقال عليه الصلاة والسلام: (( قتل رجلٌ ممن قبلكم تسعة وتسعين نفسًا، ثم أراد أن يتوب، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب -يعني دُل على عابد ولكنه جاهل ليس بالعالم- فجاءه وقال له: أنا قتلت تسع وتسعين نفسًا وأريد أن أتوب فهل لي من توبه، قال: قتلت تسعة وتسعين نفسًا وتريد أن تتوب، لا توبة لك، فما كان من هذا القاتل إلا أن قتله وأتمم بذلك الرقم المائة نفس قتلها بغير حق، ولكنه كان جادًا في رجوعه إلى ربه وتوبته إليه، فلم يزل يسأل عن أعلم أهل الأرض، حتى دُل في هذه المرة على عالم حقًا، فسأله وقال له: إني قتلت مائة نفسًا بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكنك -هنا الشاهد- ولكنك بأرض سوء فاخرج منها إلى البلدة الفلانية الصالح أهلها، فخرج من بلدته يمشي تائبًا إلى ربه إلى تلك البلدة الصالح أهلها -بإعتبار أن العالم نصحه بذلك- وفي الطريق جاءه الأجل، فأختلفت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كلٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت