فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 811

الذي يبدو لي -والله أعلم- وقد ذكرت هذا في كثير من المناسبات- أنَّ الاتكاء المذكور في الحديث الثاني في حديث الكبائر هو عين الاتكاء المذكور في حديث: (( لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا ) )؛ لأني لا أعلم، وإن كان المعنى الأول هو الذي ذُكِرَ في غريب اللغة؛ ككتاب ابن الأثير المعروف بـ:"النهاية في غريب الحديث والأثر"قد ذكروا ما ذكرت لكم آنفًا أن قوله عليه الصلاة والسَّلام: (( لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا ) )إنما المقصود به التَّربُّع.

لكني حيثما مررت بهذا اللفظ:"الاتكاء"لا أجده إلا أنه يعني الجلوس مائلًا ومتَّكِئًا على أحد شقيه.

فتفسير الحديث الأول: (( لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا ) )؛ أي: مُتربِّعًا، كأنه شاذٌ ونابٍ عن الاتكاء المعروف في الأحاديث الأخرى؛ كحديث: (( وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ) ). هذا شيء.

والشي الثاني: أن المتربع هو جالسٌ، فكيف يُقال أنه متكئ، وحديث الكبائر وهو براوية أبي بكرة الثقفي في الصحيحين يقول: (( وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ) )؟!

فالاتكاء ينافي الجلوس، وينافي الاطمئنان، والجالس مُتربِّعًا فهو جالس، وهو مطمئن في جلوسه، فلا يبدو لي -والله أعلم- أقول هكذا؛ لأني كما اقول لكم دائمًا بيانًا للحقيقة: لا أنسى أصلِي وفصلِي: أنني أعجمي وألباني، وأهل اللغة أعرف بها من الغرباء، أو المستعربين على الأقل؛ لكن الذي أجده مثبوتًا في الأحاديث هو أنَّ الاتكاء كما جاء في حديث أبي بكرة الثقفي: (( فَجَلَسَ ) ).

أمَّا المتربِّع فهو جالس. هذا من فقه هذا الحديث.

وثانيًا -وهو مهم جدًا-: فإن بعض الناس يأخذون من هذا الحديث: (( لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا ) )ما يُشبه النَّهي عن الأكل متكئًا؛ فإذا فسَّروا الاتكاء بالتَّربُّع، وفسَّروا: (( لاَ آكُلُ مُتَّكِئًا ) ): بالنهي؛ خرجوا بنتيجة فيها تشريع حكم فيه ثقل وفيه شدة على الناس؛ أي: لا يجوز أن يأكلوا متَّكئين؛ أي: متربعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت