وهذا أمرٌ لا يخفى على أحدٍ من أهل العلم: أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة لم يرد فيه حديثٌ صحيح ولا حسنٌ ولا ضعيف خفيفُ الضعف، بل ما ورد فيه كله موضوع مكذوب على نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
أمّا ما ورد في فضلها مطلقًا، فقد ورد فيه أحاديث اختلف فيها أهلُ العلم قديمًا وحديثًا، وجَمَع كثيرٌ من الحفاظ طُرُقها، وخصها بعضهم بالتصنيف كأبي عبد الله ابن الدُّبَيْثي (ت637هـ) .
فقد ورد فيها الحديث من حديث معاذ بن جبل، وعائشة، وأبي ثعلبة الخشني وعثمان بن أبي العاص، وأبي موسى الأشعري، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عَمرو، وعوف بن مالك، وأُبيّ بن كعب، وأبيّ أمامة، وأبي بكر الصديق - رضي الله عنهم أجمعين -، ومراسيل لغيرهم.
واستيعاب الكلام عن طرقها وعللها لا يُناسبُ هذا المقام، وتَرْكُ ذلك بالكلية لا يُوضَّح الحق ولا يُقربُ إلى الصواب، لذلك رأيت أن أكتفي بالكلام عن أشهر طرقها باختصار، ثم يُقاسُ عليها ما هو أشد ضعفًا منها.
أولًا: حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،قال:"يطّلعُ اللهُ ليلة النصف من شعبان إلى خلقه، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن". أخرجه ابن حبان في صحيحه (رقم 5665) ، وغيره فانظر تخريجه في حاشية تحقيقه، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم 1144) .
لكن الحديث وقع فيه اضطراب كثير في إسناده، جعله من حديث أبي ثعلبة الخشني مَرّة (وانظر السلسة الصحيحة) ، ومن حديث أبي إدريس الخولاني مرسلًا،، وعن كثير بن مُرّة مرسلًا، وعن مكحول مرسلًا.
وكلها مرجعها إلى إسناد واحد اضطُرب فيه هذا الاضطراب.
بيَّن ذلك ووضّحه غاية الوضوح الدارقطني في العلل (6/ 50 - 51 رقم 970) ، وقال أثناء ذلك عن روايتيه من حديث معاذ بن جبل:"وكلاهما غير محفوظ".
وقال عن الحديث بعد إيراده لطرقه السابقة:"والحديث غير ثابت".
وخصَّ الدارقطني في موطن آخر من علله (6/ 323 - 324 رقم 1169) حديث أبي ثعلبة بالذكر، ثم قال بعد عرْضِ طُرُقه:"والحديث مضطرب غير ثابت".
بل لقد قال أبو حاتم الرازي - وحسبك به- عن حديث معاذ بن جبل:"هذا حديث منكر بهذا الإسناد"العلل لابن أبي حاتم (رقم 2012) .
وبذلك ظهر أن حديث معاذ وأبي ثعلبة حديثان شديدا الضعف، لا ينفعان في باب الاعتبار، أي لا يرتقيان بالمتابعات والشواهد.
ثانيًا: حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لها حين افتقدته فوجدته في البقيع - في حديث:"إن الله - عز وجل - ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شَعْرِ غنم كَلْب". أخرجه الإمام أحمد (6/ 238) ، والترمذي (رقم 739) ، وابن ماجة (رقم 1389) من طريق الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة .. به
ثم قال الترمذي عقبه:"حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعتُ محمدًا (يعني: البخاري) يُضعّفُ هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج لم يسمع من يحيى"فهو إسنادٌ ضعيفٌ، بل ظاهر كلام البخاري أنه يُضعّف الحديث من كل وجوهه؛ لأنه ضعّف الحديث لا الإسناد وحده.
ولمّا عَرَضَ الدارقطني لعلل حديث عائشة هذا في العلل - المخطوط - (5/ 51/أ-ب) ، وبيّن الاضطراب فيه، وأنه رُوي من وجه آخر عن حجاج بن أرطاة عن كثير بن مُرّة الحضرمي مرسلًا، ثم قال:"وإسناد الحديث مضطرب غير ثابت".
لذلك فقد صرح أبو عبد الله الحاكم النيسابوري بالصواب في هذا الحديث بقوله:"إنما المحفوظ هذا الحديث من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا"شعب الإيمان للبيهقي (رقم 3824،3825، 3830،3831) وللحديث عللٌ أخرى أبانها عَمرو عبد المنعم سليم في تحقيقه لكتاب ابن الدُّبَيْثي (54 - 66) .
بل لقد أشار الدارقطني إلى أن مرجع حديث عائشة إلى حديث مكحول الشامي السابق ذكره في حديث معاذ، وهذا ما مال إليه البيهقي في الشعب (3/ 382،383 رقم 3383، 3835) وقد نقل ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 561 رقم 921) عن الدارقطني أنه قال:"وقد رُوي من حديث معاذ ومن حديث عائشة، وقيل إنه من قول مكحول، والحديث غير ثابت".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)