المبحث الثاني: الجواب عن الأحاديث
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في بيان طول النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال الزرقاني رحمه الله (1) : [ (ليس بالطويل البائن) بموحدة اسم فاعل من بان إذا ظهر على غيره، أو فارق من سواه، أي: المفرط في الطول مع اضطراب القامة (ولا بالقصير) أي: البائن، كما صرح به البراء بن عازب عند مسلم (2) ، فإذا نفيا عنه فمعناه أنه بينهما، وفي البخاري عن سعيد بن هلال، عن ربيعة، عن أنس (كان ربعة من القوم) (3) زاد البيهقي (لكنه إلى الطول أقرب) (4) وكذا رواه الذهلي (5) بالذال المعجمة بإسناد حسن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (كان ربعة وهو إلى الطول أقرب) ، وجمع بين النفيين لتوجه الأول إلى الوصف، أي: ليس طوله مفرطا، ففيه إثبات الطول فاحتيج للثاني، وذلك صفته الذاتية، فلا يرد أنه كان إذا ماشى الطويل زاد عليه؛ لأنه معجزة حتى لا يتطاول عليه أحد صورة كما لا يتطاول عليه معنى] (6)
الخلاصة: يتبين من مجموع الروايات أنه جمع بين النفيين؛ لتوجه الأول إلى وصف طوله بغير المفرط، ففيه إثبات الطول، واحتيج للثاني وذلك صفته الذاتية فلا يرد أنه كان إذا ماشى الطويل طاله؛ لأنه معجزة؛ لما تقدم من الأدلة والتعليلات التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى.
(1) هو عبد الباقي بن يوسف بن أحمد الزرقاني: فقيه مالكي، ولد ومات بمصر. توفي سنة 1099، ينظر: الأعلام للزركلي 3/ 272
(2) صحيح مسلم 4/ 1818
(3) سبق تخريجه.
(4) دلائل النبوة 1/ 275
(5) هو الإمام العلامة الحافظ البارع، شيخ الإسلام، وعالم أهل المشرق، وإمام أهل الحديث بخراسان، أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي مولاهم، النيسابوري. كان بحرا لا تكدره الدلاء. جمع علم الزهري، وصنفه، وجوده، من أجل ذلك يقال له: الزهري، ويقال له: الذهلي. ينظر: طبقات الحنابلة 1/ 325، وسير أعلام النبلاء 12/ 273، والمقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد 2/ 534، وطبقات الحفاظ 1/ 45
(6) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك 4/ 351