المبحث الثاني: الجواب عن الأحاديث
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في تفضيل غير الصحابة على الصحابة
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [ومحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجها على أن حديث (للعامل منهم أجر خمسين منكم) (1) لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها أحد، فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة. وأما حديث أبي جمعة (2) فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم، ورواه بعضهم بلفظ: قلنا يا رسول الله: (هل من قوم أعظم منا أجرا) الحديث أخرجه الطبراني (3) ، وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة] (4)
قال ابن قتيبة رحمه الله: [وأما قوله: (خير أمتي القرن الذي بعثت فيه) (5) فلسنا نشك في أن صحابته خير ممن يكون في آخر الزمان وأنه لا يكون لأحد من الناس مثل الفضل الذي أوتوه وإنما قال: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) (6) على التقريب لهم من صحابته كما يقال ما أدري أوجه هذا الثوب أحسن أم مؤخره؟ ووجهه أفضل، إلا أنك أردت تقريب منه، وكما تقول ما أدري أوجه هذه المرأة أحسن، أم قفاها؟ ووجهها أحسن، إلا أنك أردت تقريب ما بينهما في الحسن، ومثل هذا قوله في تهامة: إنها كبديع العسل، لا يدرى أوله خير أم آخره، والبديع الزق (7) وإذا كان العسل في زق،
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (4/ 23)
(4) فتح الباري 8/ 317
(5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (2534) 4/ 1963
(6) سبق تخريجه.
(7) الوطب: الزق الذي يكون فيه السمن واللبن وهو جلد الجذع فما فوقه وجمعه. النهاية في غريب الحديث والأثر 5/ 203