المبحث الثاني: الجواب عن الأحاديث
هل يحل الصمت في العبادة؟
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: (فإن هذا لا يحل) يعني: ترك الكلام، ووقع عند الإسماعيلي من وجه آخر، عن أبي بكر الصديق: (أن المرأة قالت له: كان بيننا وبين قومك في الجاهلية شر، فحلفت إن الله عافانا من ذلك: ألا أكلم أحدا حتى أحج، فقال: إن الإسلام يهدم ذلك، فتكلمي) وللفاكهي (1) من طريق زيد بن وهب، عن أبي بكر: نحوه، وقد استدل بقول أبي بكر هذا، من قال بأن من حلف ألا يتكلم استحب له أن يتكلم، ولا كفارة عليه؛ لأن أبا بكر لم يأمرها بالكفارة، وقياسه: أن من نذر ألا يتكلم لم ينعقد نذره؛ لأن أبا بكر أطلق أن ذلك لا يحل، وأنه من فعل الجاهلية، وأن الإسلام هدم ذلك، ولا يقول أبو بكر مثل هذا إلا عن توقيف، فيكون في حكم المرفوع، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس في قصة أبي إسرائيل (الذي نذر أن يمشي ولا يركب ولا يستظل ولا يتكلم، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يركب ويستظل ويتكلم) (2) وحديث علي رفعه: (لا يتم بعد احتلام ولا صمت يوم إلى الليل) أخرجه أبو داود. (3) قال الخطابي في شرحه (4) : كان من نسك أهل الجاهلية الصمت، فكان أحدهم يعتكف اليوم والليلة ويصمت، فنهوا عن ذلك وأمروا بالنطق بالخير، وقد تقدمت الإشارة إلى حديث ابن عباس في كتاب الحج، ويأتي الكلام عليه في كتاب الإيمان والنذور إن شاء الله تعالى. وقال ابن قدامة في المغني (5) : ليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام وظاهر الأخبار تحريمه واحتج بحديث أبي بكر وبحديث علي المذكور قال: فإن نذر ذلك لم يلزمه الوفاء به، وبهذا قال الشافعي (6) ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفا، وكلام الشافعية يقتضي أن مسألة النذر ليست منقولة، فإن الرافعي (7) ذكر في كتاب النذر أن
(1) في أخبار مكة 4/ 253
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.
(4) معالم السنن 4/ 87
(5) المغني 3/ 148
(6) الأم 2/ 278
(7) أبو القاسم عبد الكريم بن أبي الفضل محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني. قال الذهبي: شيخ الشافعية عالم العجم والعرب إمام الدين وكان من العلماء العاملين، يذكر عنه تعبد ونسك وأحوال وتواضع، له الفتح العزيز في شرح الوجيز، وله شرح مسند الشافعي، وغيرهم. قال ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله، كان ذا فنون، حسن السيرة، جميل الأمر. و قال ابن الصلاح توفي في أواخر سنة ثلاث أو أوائل سنة أربع وعشرين وستمائة بقزوين. انظر: سير أعلام النبلاء 22/ 252، وطبقات الشافعية الكبرى 6/ 131، وطبقات المفسرين للسيوطي 1/ 60