المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في انقطاع الهجرة بعد الفتح.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: (لا هجرة اليوم) أي: بعد الفتح، قوله: (كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه .. الخ) أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق، لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت. ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الجهاد، في باب وجوب النفير (1) في الجمع بين حديث ابن عباس (لا هجرة بعد الفتح) وحديث عبد الله بن السعدي (لا تنقطع الهجرة) وقال الخطابي: كانت الهجرة أي: إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه، وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ) (2) فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة، وبقي الاستحباب (3) ] (4)
قال الطحاوي رحمه الله:[إن المراد بالهجرة المنفي انقطاعها: هي هجرة السوء، كما دل عليه حديث صالح بن بشير بن فديك (5) ، قال: (خرج فُديك(6) إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله, إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر هلك, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يا فديك أقم الصلاة، وآت الزكاة، واهجر السوء، واسكن
(1) فتح الباري 7/ 93
(2) [سورة الأنفال:72]
(3) معالم السنن 2/ 234
(4) فتح الباري 8/ 670
(5) قال الدوري: سمعت يحيى يقول: لم يرو أحد علمناه عن صالح بن بشير بن فديك إلا الزهري. تاريخ ابن معين للدوري 3/ 82
(6) فديك الزبيدي، والد بشير بن فديك، وجدّ صالح بن بشير بن فديك. قال البخاري: فديك صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال البغويّ: سكن المدينة، وذكره ابن حبّان، فقال: حديثه عند ولده، وقال ابن السكن: يقال إن فديكا وابنه بشيرا جميعا صحبا النبي - صلى الله عليه وسلم -. الإصابة 5/ 356