يحتمل عند ما جرى له مع دحية وجهان:
أحدهما: أن يكون ذلك برضى دحية وطيب نفسه، فيكون معاوضة جارية بجارية، فإن قيل: الواهب منهي عن شراء هبته، فكيف عاوضه هنا عما وهبه؟ قلنا: لم يهبه من مال نفسه فينهى عن الارتجاع، وإنما أعطاه من الله على جهة النظر، كما يعطي الإمام النفل لأحد أهل الجيش نظرا، فيكون ذلك خارجا عن ارتجاع الهبة وشرائها. والتأويل الثاني: له أن يكون إنما قصد - صلى الله عليه وسلم - إعطاء جارية من حشو السبي، فلما اطلع أن هذه من جياده، وأن ليس من المصلحة إعطاء مثلها لمثله، وقد يؤدي ذلك إلى المفسدة، استرجعها لأنها خلاف ما أعطى. لكن في بعض طرق هذا الحديث قال: (وقعت في سهم دحية جارية جميلةٌ فاشتراها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبعة أرؤوس ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، وهي صفية) ففي الرواية: أنه أخذها في قسمة ولم يذكر الهبة، وفيها: أنه اشتراها منه. فعلى هذا يستغنى عن الاعتذار عن ارتجاع الهبة] (1)
قال ابن حزم رحمه الله:[فإن قيل: فقد رويتم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس (أنه عليه السلام: اشترى صفية من دحية، وقد وقعت في سهمه بسبعة أرؤس, قلنا: كلا الخبرين، عن أنس صحيح، وتأليفهما ظاهر. وقوله:(إنها وقعت في سهمه) إنما معناه بأخذه إياها إذ سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - جارية من السبي، فقال له: اذهب فخذ جارية، وبلا شك أن من أخذ شيئا لنفسه بوجه صحيح فقد وقع في سهمه، وقوله: (اشتراها عليه السلام بسبعة أرؤس) يخرج على أحد وجهين:
أحدهما: أنه عليه السلام عوضه منها، فسمى أنس ذلك الفعل شراء.
والثاني: أن دحية إذ أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: خذ غيرها، قد سأله إياها، وكان عليه السلام لا يسأل شيئا إلا أعطاه، فأعطاه إياها. فصحت له، وصح وقوعها في سهمه، ثم اشتراها منه بسبعة أرؤس. ولا شك في صحة الخبرين، ولا يمكن الجمع بينهما لصحتهما، إلا كما ذكرنا] (2)
قال العيني رحمه الله: [فإن قلت: وقع في رواية مسلم (أن النبي اشترى صفية منه بسبعة أرؤس) قلت: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنه لما أخذها منه على الوجه الذي نذكره الآن وعوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرم والفضل، أطلق الراوي الشراء عليه لوجود معنى المبادلة
(1) إكمال المعلم 4/ 304
(2) المحلى 9/ 117