المبحث الثاني: الجواب عن الأحاديث
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في عمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي الأول: أنه عاش ستين سنة، وفي الثاني: أنه عاش ثلاثا وستين سنة، وفي الثالث: أنه عاش خمسا وستين سنة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [قوله: (لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرا) هذا يخالف المروي عن عائشة عقبه: (أنه عاش ثلاثا وستين) إلا أن يحمل على إلغاء الكسر، كما قيل مثله في حديث أنس المتقدم في باب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - من كتاب المناقب (1) ، وأكثر ما قيل في عمره: (أنه خمس وستون سنة) (2) أخرجه مسلم من طريق عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، ومثله لأحمد (3) ، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وهو مغاير لحديث الباب؛ لأن مقتضاه أن يكون عاش ستين إلا أن يحمل على إلغاء الكسر، أو على قول من قال: إنه بعث ابن ثلاث وأربعين، وهو مقتضى رواية عمرو بن دينار، عن ابن عباس (أنه مكث بمكة ثلاث عشرة، ومات ابن ثلاث وستين) وفي رواية هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس (لبث بمكة ثلاث عشرة، وبعث لأربعين، ومات وهو ابن ثلاث وستين) وهذا موافق لقول الجمهور، وقد مضى في باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - (4) والحاصل: أن كل من روى عنه من الصحابة ما يخالف المشهور، وهو ثلاث وستون جاء عنه المشهور، وهم: ابن عباس، وعائشة، وأنس، ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: هو الثبت عندنا، وقد جمع السهيلي بين القولين المحكيين بوجه آخر، وهو أن من قال مكث ثلاث عشرة عد من أول ما جاءه الملك بالنبوة، ومن قال مكث عشرا أخذ ما بعد فترة الوحي، ومجيء الملك بيا أيها المدثر، وهو مبني على صحة خبر الشعبي الذي نقلته من تاريخ الإمام أحمد في بدء الوحي، ولكن وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد ما يخالفه كما أوضحته في الكلام على حديث عائشة في بدء الوحى المخرج في أوائل كتاب تعبير الرؤيا (5) من رواية معمر، عن الزهري، فيما يتعلق بالزيادة التي أرسلها الزهري. ومن الشذوذ ما رواه عمر بن شبة (أنه عاش إحدى أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثا وستين) وكذا رواه ابن عساكر من وجه آخر (أنه عاش اثنتين وستين ونصفا)
(1) برقم (3547)
(2) سبق تخريجه.
(3) في مسنده 3/ 346
(4) برقم (3902)
(5) برقم (6982)