وأعمالهم، وأما من قال هي الجمعة فمذهب ضعيف جدا؛ لأن المفهوم من الإيصاء بالمحافظة عليها إنما كان لأنها معرضة للضياع، وهذا لا يليق بالجمعة، فإن الناس يحافظون عليها في العادة أكثر من غيرها؛ لأنها تأتي في الأسبوع مرة بخلاف غيرها، ومن قال هي جميع الخمس: فضعيف أو غلط؛ لأن العرب لا تذكر الشيء مفصلا ثم تجمله، وإنما تذكره مجملا ثم تفصله، أو تفصل بعضه تنبيها على فضيلته، والله أعلم] (1)
قال ابن عبد البر: [وروى سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال الصلاة الوسطى صلاة العصر ويوم الحج الأكبر يوم النحر، واحتج من قال إنها الصبح بحديث مالك عن زيد بن أسلم عن أبي يونس عن عائشة المذكور في هذا الباب، ويجوز أن يحتج به أيضا من قال: إنها الظهر لأن قوله والصلاة الوسطى وصلاة العصر يقتضي أن الوسطى ليست"صلاة"العصر، وقد عارض بعض المتأخرين حديث عائشة هذا بحديث زيد بن أرقم قال كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} . قال: فهذا زيد بن أرقم يذكر أن الآية هكذا أنزلت ليس فيها وصلاة العصر وهو الثابت بين اللوحين بنقل الكافة، واحتج أيضا من قال إنها العصر بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله) قالوا: فلم يخصها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذكر إلا لأنها الوسطى التي خصها الله بالتأكيد والله أعلم. وروي عن قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: الصلاة الوسطى صلاة المغرب، ألا ترى أنها ليست بأقلها ولا أكثرها، ولا تقصر في السفر، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها) وهذا لا أعلمه قاله غير قبيصة. قال أبو عمر: كل ما ذكرنا قد قيل فيما وصفنا، وبالله توفيقنا، وهو أعلم بمراده عز وجل من قوله: {وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} . وكل واحدة من الخمس وسطى؛ لأن قبل كل واحدة منهن صلاتين وبعدها صلاتين كما قال زيد بن ثابت في الظهر، والمحافظة على جميعهن واجب، والله المستعان] (2)
الخلاصة: ترجيح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر بالنص الصريح المرفوع؛ لأنه إذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره، فتبقى حجة المرفوع قائمة.
(1) شرح النووي على مسلم 5/ 127
(2) التمهيد 4/ 292