المبحث الثاني: الجواب عن الحديثين
ظاهر هذه الأحاديث اختلفت في وقت خروج الدخان، ففي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه: أنه قبل الهجرة، وفي حديث علي وابن عباس وأبي مليكة - رضي الله عنهم: أن خروج الدخان لم يأت بعد، وأنه من أشراط الساعة الكبرى.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [عن مسروق قال: (بينما رجل يحدث في كندة، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا فأتيت ابن مسعود، وكان متكئا فغضب، فجلس فقال: من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم) وقد جرى البخاري على عادته في إيثار الخفي على الواضح، فإن هذه السورة كانت أولى بإيراد هذا السياق من سورة الروم؛ لما تضمنته من ذكر الدخان لكن هذه طريقته: يذكر الحديث في موضع، ثم يذكره في الموضع اللائق به عاريا عن الزيادة اكتفاء بذكرها في الموضع الآخر؛ شحذا للأذهان، وبعثا على مزيد الاستحضار، وهذا الذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن علي: فأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم من طريق الحارث، عن علي، قال: (آية الدخان لم تمض بعد: يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفد) (1) ثم أخرج عبد الرزاق من طريق ابن أبي مليكة، قال: (دخلت على ابن عباس يوما، فقال لي: لم أنم البارحة حتى أصبحت، قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشينا الدخان قد خرج) (2) ، وهذا أخشى أن يكون تصحيفا، وإنما هو الدجال بالجيم الثقيلة واللام، ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم من حديث أبي سريحة رفعه: (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة) (3) الحديث، وروى الطبري من حديث ربعي، عن حذيفة مرفوعا: (في خروج الآيات والدخان، قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟ فتلا هذه الآية، قال: أما المؤمن: فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر: فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره) (4) وإسناده ضعيف أيضا، وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد: نحوه، وإسناده ضعيف أيضا، وأخرجه مرفوعا بإسناد أصلح منه، وللطبري من حديث أبي مالك الأشعري رفعه (إن
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.
(4) سبق تخريجه.