{قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} * {وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ} * {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} * {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} * {فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} * {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} * {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}
قوله: {قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر تقديره ماذا قالوا؟ وجواب هذا السؤال: أنه حصل التنازع والتخاصم بين الرؤساء والأتباع فقال الأتباع: إنهم أضلونا، وقال الرؤساء {رَبَّنَا هَؤُلاءِ} الخ، فهو بمعنى قوله تعالى:
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا}
[ابراهيم: 21] الخ، وبمعنى
{وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي النَّارِ}
[غافر: 47] الخ.
قوله: {حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} أي ثبت وتحقق وهو قوله
{لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
[هود: 119] .
قوله: (وهم رؤساء الضلال) أي الذين أطاعوهم في كل ما أمروهم به ونهوهم عنه.
قوله: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآ} الخ، اسم الإشارة مبتدأ، والموصول نعته، و {أَغْوَيْنَآ} صلته، والعائد محذوف قدره المفسر، و {أَغْوَيْنَاهُمْ} خبره، وصح الإخبار به لتقييده بقوله: {كَمَا غَوَيْنَا} ففيه زيادة فائدة على الصلة، والمعنى تسببنا لهم في الغي، فقلبوا منا ولم يتبعوا الرسل وما أنزل عليهم من الكتب التي فيها المواعظ والأوامر والنواهي، فلم نخيرهم عن أنفسنا، بل اخترنا لهم ما اخترناه لأنفسنا، فاتبعونا بهواهم.
قوله: {تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ} (منهم) هذا تقرير لما قبله.
قوله: (وقدم المفعول) أي وهو قوله: {إِيَّانَا} .
قوله: {وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي استغيثوا بآلهتكم متى عبدتموها لتنصركم وتدفع عنك ما نزل بكم، وهذا القول للتهكم والتبكيت لهم.
قوله: {وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ} أي نازلًا بهم.
قوله: (ما رأوه) هو جواب {لَوْ} .
قوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} معطوف على ما قبله فتحصل أنهم يسألون عن إشراكهم وجوابهم للرسل.
قوله: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَآءُ} أي خفيت عليهم فلم يهتدوا لجواب فيه راحة لهم، أو الكلام على القلب، والأصل فعموا عن الأنباء، أي ضلوا وتحيروا في ذلك، فلم يهتدوا إلى جواب به نجاتهم.
قوله: {فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} (عنه) أي عن الخبر المنجي لحصول الدهشة لهم ولقنوطهم من رحمة الله حينئذ.
قوله: {فَأَمَّا مَن تَابَ} الخ، أي رجع عن كفره في حال الحياة.
قوله: {فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} الترجي في القرآن بمنزلة التحقق لأنه وعد كريم، ومن شأنه لا يخلف وعده.
قوله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ} سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، استعظم النبوة ونزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، فنزلت هذه الآية ردًا عليه، واختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على أقوال كثيرة، فقيل يخلق ما يشاء من خلقه ويختار ما يشاء منهم لطاعته، وقيل يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار ما يشاء لنبوته، وقيل يخلق ما يشاء محمدًا، ويختار الأنصار لدينه، وقيل يخلق ما يشاء محمدًا، ويختار ما يشاء أصحابه وأمته لما روي:"إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا، فجعلهم أصحابي، وفي أصحابي كلهم، خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون"