وَقَال شَارِحُ الطَّحَاوِيَّةِ: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ التَّفْضِيل إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْفَخْرِ وَالْحَمِيَّةِ وَهَوَى النَّفْسِ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الاِنْتِقَاصِ لِلْمَفْضُول .
وَاخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّفْضِيل إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هِيَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لاَ تَفَاضُل فِيهَا ، وَالتَّفْضِيل فِي زِيَادَةِ الأَْحْوَال وَالْخُصُوصِ وَالْكَرَامَاتِ وَالأَْلْطَافِ [1]
وقال البيهقي:
"فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّفْضِيلِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ نَفْسَهُ عَلَى يونُسَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَبَقَ وَذَهَبَ مُغَاضِبًا وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى مَا ظَنَّ أَنَّهُ يُصِيبُهُ مِنْ قَوْمِهِ ، وَمَا رُوِّينَا فِي حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَيُصَحِّحُ قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِمْسَاكِ عَنِ الْكَلَامِ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ جُمْلَةً ، وَذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ عَنِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ تَرْكُ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِزْرَاءِ بِبَعْضِهِمْ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيهِمْ وَالْإِخْلَالِ بِالْوَاجِبِ مِنْ حُقُوقِهِمْ ، وَبِغَرَضِ الْإِيمَانِ بِهِمْ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَعْتَقِدَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ فَاضَلَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهَ ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ"وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي يُونُسَ بْنِ مَتَّى ، فَقَالَ: قَدْ يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ خِلَافًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْبَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ، وَالسَّيِّدُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسُودِ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بَيِّنٌ وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَاضِحٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ"إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالسُّؤْدَدِ ، وَتَحَدُّثٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ، وَإِعْلَامٌ لِأُمَّتِهِ وَأَهْلِ دَعْوَتِهِ عُلُوَّ مَكَانِهِ عِنْدَ رَبِهِ وَمَحَلِّهِ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ لِيَكُونَ إِيمَانُهُمْ بِنُبُوَّتِهِ وَاعْتِقَادِهِمْ لِطَاعَتِهِ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ ، وَكَانَ بَيَانُ هَذَا لِأُمَّتِهِ وَإِظْهَارُهُ لَهُمْ مِنَ اللَّازِمِ لَهُ وَالْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِنَّهُ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ"مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ"إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَنْ سِوَاهُ مِنَ النَّاسِ دُونَ نَفْسِهِ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَامًا مُطْلَقًا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ ، وَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْهَضْمِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَإِظْهَارِ التَّوَاضُعِ لِرَبِّهِ يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ الَّتِي نِلْتُهَا كَرَامَةٌ مِنَ اللَّهِ وَخُصُوصِيَّةٌ مِنْهُ ، لَمْ أَنَلْهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي ، وَلَا بَلَغْتُهَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي ، فَلَيْسَ لِي أَنِ افْتَخِرَ بِهَا ، وَإِنَّمَا خَصَّ يُونُسَ بِالذِّكْرِ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ شَأْنِهِ وَمَا كَانَ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ ، وَخَرَجَ مُغَاضِبًا لَهُ وَلَمْ يَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ وَأَشْبَهُهُمَا بِمَعْنَى الْحَدِيثِ ،"
(1) - تفسير القرطبي 3 / 261 ، 263 ، وتفسير ابن كثير 3 / 47 و 1 / 304 ، وفتح الباري 6 / 452 ، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني 1 / 49 ، 55 ، والصارم المسلول ص 566 .