فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 559

وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ وَتَأْيِيدِهِ ، وَإِعَانَتِهِ ، حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: يُنْزِل نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الآْلاَتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا [1] ، وَلِذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ:"فَبِي يَسْمَعُ ، وَبِي يُبْصِرُ ، وَبِي يَبْطِشُ ، وَبِي يَمْشِي" [2] ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِلَتُهُ بِاللَّهِ فَلاَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُكْرِمَهُ بِظُهُورِ مَا لاَ يُطِيقُهُ غَيْرُهُ عَلَى يَدَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ .

وَأَنْكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الإِْسْفَرَايِينِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ حُصُول مَا يَخْرِقُ الْعَادَةَ عَلَى يَدِ غَيْرِ نَبِيٍّ ، وَقَالُوا: إِنَّ الْخَوَارِقَ دَلاَلاَتُ صِدْقِ الأَْنْبِيَاءِ ، وَدَلِيل النُّبُوَّةِ لاَ يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِ النَّبِيِّ ، وَلأَِنَّهَا لَوْ ظَهَرَتْ بِأَيْدِي الأَْوْلِيَاءِ لَكَثُرَتْ بِكَثْرَتِهِمْ ، وَلَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا خَارِقَةً لِلْعَادَةِ ، وَالْفَرْضُ أَنَّهَا كَذَلِكَ [3] .

الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالْمُعْجِزَةِ:

-الْمُعْجِزَةُ اسْمُ فَاعِلٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَجْزِ الْمُقَابِل لِلْمَقْدِرَةِ ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِعْجَازِ الْخَصْمِ عِنْدَ التَّحَدِّي ، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ .

وَهِيَ فِي الشَّرْعِ: مَا خَرَقَ الْعَادَةَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، إِذَا وَافَقَ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَقَارَنَهَا وَطَابَقَهَا ، عَلَى جِهَةِ التَّحَدِّي ابْتِدَاءً ، بِحَيْثُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَيْهَا وَلاَ عَلَى مِثْلِهَا وَلاَ عَلَى مَا يُقَارِبُهَا . [4]

وَتَسْمِيَةُ دَلاَئِل النُّبُوَّةِ وَأَعْلاَمِهَا"مُعْجِزَاتٍ"إِنَّمَا هُوَ اصْطِلاَحُ النُّظَّارِ ، إِذْ لَمْ يَرِدْ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْكِتَابِ وَلاَ فِي السُّنَّةِ ، وَالَّذِي فِيهِ لَفْظُ الآْيَةِ وَالْبَيِّنَةِ وَالْبُرْهَانِ . [5]

-أَمَّا وُجُوهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالْمُعْجِزَةِ فَهِيَ:

أَوَّلًا: أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَقْتَرِنُ بِالتَّحَدِّي ، وَهُوَ طَلَبُ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُقَابَلَةِ يُقَال تَحَدَّيْتُ فُلاَنًا: إِذَا بَارَيْتَهُ فِي فِعْلٍ وَنَازَعْتَهُ لِلْغَلَبَةِ أَمَّا الْكَرَامَةُ فَلاَ تَقْتَرِنُ بِذَلِكَ .

وَلاَ شَكَّ أَنَّ كُل مَا وَقَعَ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ النُّبُوَّةِ مِنْ مُعْجِزَاتٍ كَنُطْقِ الْحَصَى وَحَنِينِ الْجِذْعِ وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صلى الله عليه وسلم - مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي ، لأَِنَّ قَرَائِنَ أَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ نَاطِقَةٌ بِدَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ وَتَحَدِّيهِ لِلْمُخَالِفِينَ وَإِظْهَارِهِ مَا يَقْمَعُهُمْ وَيَقْطَعُهُمْ ، فَكَانَ كُل مَا ظَهَرَ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - يُسَمَّى آيَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ ، وَلأَِنَّ الْمُرَادَ مِنَ اقْتِرَانِهَا بِالتَّحَدِّي الاِقْتِرَانُ بِالْقُوَّةِ أَوِ الْفِعْل . [6]

(1) - فتح الباري 11 / 341

(2) - رواية:"فبي يسمع وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي"أورده ابن حجر في الفتح ( 11 / 344 ) نقلًا عن الطوفي ولم يعزها إلى أي مصدر .

(3) - حاشية شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم البيجوري المسماة بتحفة المريد على جوهرة التوحيد ص 80 وما بعدها .

(4) - التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص 665، ، والتعريفات للجرجاني ص 115، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 /975 ، ولوامع الأنور البهية للسفاريني 2/290 .

(5) - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية 4 /67 .

(6) - الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص 308 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت