فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 559

ثَانِيًا: أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ مَأْمُورُونَ بِإِظْهَارِ مُعْجِزَاتِهِمْ ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِهِمْ وَاتِّبَاعِهِمْ ، وَلاَ يُعْرَفُ النَّبِيُّ إِلاَّ بِمُعْجِزٍ . أَمَّا الْكَرَامَةُ فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إِظْهَارُهَا ، بَل يَسْتُرُ كَرَامَتَهُ وَيُسِرُّهَا وَيَجْتَهِدُ عَلَى إِخْفَاءِ أَمْرِهِ . [1]

ثَالِثًا: أَنَّ دَلاَلَةَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ قَطْعِيَّةٌ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ يَعْلَمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، بَيْنَمَا دَلاَلَةُ الْكَرَامَةِ عَلَى الْوِلاَيَةِ ظَنِّيَّةٌ ، وَلاَ يَعْلَمُ مُظْهِرُهَا أَوْ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ أَنَّهُ وَلِيٌّ ، وَلاَ غَيْرُهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ ، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ مَمْكُورًا بِهِ . [2]

قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَالدَّلاَلَةُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا وَلِيٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَل لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْقَطْعِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَمُوتُ إِلاَّ مُؤْمِنًا ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نَقْطَعَ عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌّ لِلَّهِ ، لأَِنَّ الْوَلِيَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ يُوَافِي إِلاَّ بِالإِْيمَانِ ، وَلَمَّا اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقْطَعَ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ يُوَافِي إِلاَّ بِالإِْيمَانِ ، عُلِمَ أَنَّ الْفِعْل الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ لاَ يَدُل عَلَى وِلاَيَتِهِ . [3]

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُل عَلَى عِصْمَةِ صَاحِبِهَا وَعَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ ، أَمَّا الْكَرَامَةُ فَلاَ تَدُل عَلَى عِصْمَةِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ ، وَلاَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ فِي كُل مَا يَقُول ، وَلاَ عَلَى وِلاَيَتِهِ ، لِجَوَازِ سَلْبِهَا أَوْ أَنْ تَكُونَ اسْتِدْرَاجًا لَهُ . [4]

رابِعًا: أَنَّ الْكَرَامَةَ لاَ يَجُوزُ بُلُوغُهَا مَبْلَغَ الْمُعْجِزَةِ فِي جِنْسِهَا وَعِظَمِهَا ، كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَانْفِلاَقِ الْبَحْرِ وَقَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً وَخُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الأَْصَابِعِ ، وَبِذَلِكَ قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .

وَقَال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَاءَ الْمَذْهَبَيْنِ وَغَيْرِهِمْ: كُل مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ جَازَ أَنْ يَكُونَ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ ، غَيْرَ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَقْتَرِنُ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ ، وَالْكَرَامَةُ لاَ تَقْتَرِنُ بِذَلِكَ ، بَل إِنَّ الْوَلِيَّ لَوِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ صَارَ عَدُوًّا لِلَّهِ ، لاَ يَسْتَحِقُّ الْكَرَامَةَ بَل اللَّعْنَةَ وَالإِْهَانَةَ . [5]

خَوَارِقُ الأَْنْبِيَاءِ قَبْل الْبَعْثَةِ:

-مِنْ جُمْلَةِ الْكَرَامَاتِ الْخَوَارِقُ الَّتِي وَقَعَتْ لِلأَْنْبِيَاءِ قَبْل النُّبُوَّةِ ، كَإِظْلاَل الْغَمَامِ وَشَقِّ الصَّدْرِ الْوَاقِعَيْنِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - قَبْل الْبَعْثَةِ ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ بِمُعْجِزَاتٍ لِتَقَدُّمِهَا عَلَى التَّحَدِّي وَدَعْوَى النُّبُوَّةِ ، بَل كَرَامَاتٍ ، وَتُسَمَّى"إِرْهَاصًا"أَيْ تَأْسِيسًا لِلنُّبُوَّةِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الأُْصُول وَغَيْرُهُمْ . [6]

كَرَامَةُ الْوَلِيِّ مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:

(1) - لوامع الأنوار البهية 2 /396 ، وبستان العارفين للنووي ص 161، 165 .

(2) - الفتاوى الحديثية ص 305، وبستان العارفين ص 161 .

(3) - المعتمد لأبي يعلي ص 165 .

(4) - مختصر الفتاوى المصرية ص 600، ولوامع الأنوار البهية 2 /393 .

(5) - قطر الولي للشوكاني ص 258، ورد المحتار 3/308 ، ومجموعة رسائل ابن عابدين 2 /279 ، وبستان العارفين ص 156،162، والفتاوى الحديثية ص 301، 302، والمحلي على جمع الجوامع وحاشية العطار 2 /481 ، ولوامع الأنوار البهية 2 /396.

(6) - الفتاوى الحديثية ص 307، بستان العارفين ص 157، ومجموعة رسائل ابن عابدين 2 /278 ، ولوامع الأنوار البهية 2 /392

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت