-قَال ابْنُ عَابِدِينَ: اعْلَمْ أَنَّ كُل خَارِقٍ ظَهَرَ عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِنَ الْعَارِفِينَ فَهُوَ ذُو جِهَتَيْنِ: جِهَةُ كَرَامَةٍ ، مِنْ حَيْثُ ظُهُورِهِ عَلَى يَدِ ذَلِكَ الْعَارِفِ . وَجِهَةُ مُعْجِزَةٍ لِلرَّسُول مِنْ حَيْثُ أَنَّ الَّذِي ظَهَرَتْ هَذِهِ الْكَرَامَةُ عَلَى يَدِهِ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ أُمَّتِهِ ، لأَِنَّهُ لاَ يَظْهَرُ بِتِلْكَ الْكَرَامَةِ الآْتِي بِهَا وَلِيٌّ إِلاَّ وَهُوَ مُحِقٌّ فِي دِيَانَتِهِ ، وَدِيَانَتُهُ هِيَ التَّصْدِيقُ وَالإِْقْرَارُ بِرِسَالَةِ ذَلِكَ الرَّسُول مَعَ الإِْطَاعَةِ لأَِوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ ، حَتَّى لَوِ ادَّعَى هَذَا الْوَلِيُّ الاِسْتِقْلاَل بِنَفْسِهِ وَعَدَمَ الْمُتَابَعَةِ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا . [1]
الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَرَامَاتِ وَخَوَارِقِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ:
-ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْخَارِقَ غَيْرَ الْمُقْتَرِنِ بِتَحَدِّي النُّبُوَّةِ إِذَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ عَبْدٍ صَالِحٍ ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ خَلْقِهِ فَهُوَ الْكَرَامَةُ . أَمَّا إِذَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ مُطَابِقًا لِدَعْوَاهُ فَهُوَ"الاِسْتِدْرَاجُ"وَقَدْ يُسَمَّى"سِحْرًا وَشَعْوَذَةً".
وَإِنْ ظَهَرَ عَلَى يَدِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ مِنْ أَهْل الضَّلاَل فَهُوَ"الإِْهَانَةُ"، كَنُطْقِ الْجَمَادِ بِأَنَّهُ مُفْتَرٍ كَذَّابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لأَِنَّ خَارِقَ الْعَادَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَكُونُ مُوَافِقًا لِلدَّعْوَى ، بَل مُثْبِتًا لِكَذِبِهَا . [2]
وَأَسَاسُ ذَلِكَ أَنَّ كَرَامَاتِ الأَْوْلِيَاءِ لاَ يَكُونُ سَبَبُهَا إِلاَّ الإِْيمَانَ وَالتَّقْوَى ، أَمَّا خَوَارِقُ أَعْدَاءِ اللَّهِ فَسَبَبُهَا الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ . [3]
وَفِي ذَلِكَ يَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ لاَ تَدُل عَلَى عِصْمَةِ صَاحِبِهَا ، وَلاَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ فِي كُل مَا يَقُول ، لأَِنَّ بَعْضًا مِنْهَا قَدْ يَصْدُرُ عَنِ الْكُفَّارِ وَالسَّحَرَةِ بِمُؤَاخَاتِهِمْ لِلشَّيَاطِينِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الدَّجَّال أَنَّهُ يَقُول لِلسَّمَاءِ: أَمْطِرِي فَتُمْطِرُ ، وَلِلأَْرْضِ: أَنْبِتِي فَتُنْبِتُ ، وَأَنَّهُ يَقْتُل وَاحِدًا ثُمَّ يُحْيِيهِ ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ خَلْفَهُ كُنُوزُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . [4]
وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ الرَّجُل لَوْ طَارَ فِي الْهَوَاءِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ ، لَمْ تَثْبُتْ لَهُ وِلاَيَةٌ ، بَل وَلاَ إِسْلاَمٌ حَتَّى يُنْظَرَ وُقُوفُهُ عِنْدَ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - . [5]
قَوْل مَنِ ادَّعَى مَا لاَ يُمْكِنُ عَادَةً:
إِذَا ادَّعَى أَحَدٌ مَا لاَ يُمْكِنُ عَادَةً ، وَيُمْكِنُ بِالْكَرَامَةِ فَلاَ يُقْبَل شَرْعًا وَهُوَ لَغْوٌ ، كَأَنِ ادَّعَى أَنَّهُ رَهَنَ دَارِهِ بِالشَّامِ وَأَقْبَضَهُ إِيَّاهَا ، وَهُمَا بِمَكَّةَ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ ، قَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِمَا يُمْكِنُ مِنْ كَرَامَاتِ الأَْوْلِيَاءِ ، وَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فِي الْمَغْرِبِ وَهُوَ بِالْمَشْرِقِ وَوَلَدَتْ
(1) - مجموعة رسائل ابن عابدين 2 279/ ، وانظر مجموعة فتاوى ابن ابن تيمية 11 /275 .
(2) - بستان العارفين ص 157، ولوامع الأنوار 2 /290 ، وشرح العقيدة الطحاوية للميداني ص 139، والفتاوى الحديثية ص 304، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 /975 .
(3) - مجموع فتاوى ابن تيمية 11 /302 .
(4) - حديث الدجال أخرجه مسلم ( 4/2252 ـ 2253 ـ ط الحلبي ) .
(5) - مختصر الفتاوى المصرية ص 600 و مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 2 / ص 488) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 108) والفتاوى الكبرى - (ج 1 / ص 206)