وَقَدْ تَنَوَّعَتْ تَعْرِيفَاتُ الْعُلَمَاءِ لِهَذِهِ الْوِلاَيَةِ ، فَقَال الْغُنَيْمِيُّ الْمَيْدَانِيُّ: الأَْوْلِيَاءُ جَمْعُ وَلِيٍّ ، بِوَزْنِ فَعِيلٍ ( بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَقَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ ، أَوْ ( بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَعَلِيمٍ بِمَعْنَى عَالَمٍ . قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَكَوْنُهُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَرْجَحَ ، لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُمْدَحُ إِلاَّ عَلَى فِعْل نَفْسِهِ ، وَقَدْ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى .
-فَعَلَى الأَْوَّل يَكُونُ الْوَلِيُّ مَنْ تَوَلَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَل رِعَايَتَهُ وَحِفْظَهُ ، فَلاَ يَكِلُهُ إِلَى نَفْسِهِ ، كَمَا قَال سُبْحَانَهُ: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} (196) سورة الأعراف .
-وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْوَلِيُّ مَنْ تَوَلَّى عِبَادَةَ اللَّهِ وَطَاعَتَهِ ، فَهُوَ يَأْتِي بِهَا عَلَى التَّوَالِي ، آنَاءَ اللَّيْل وَأَطْرَافَ النَّهَارِ . وَيَجْنَحُ إِلَى هَذَا مَا عَرَّفَهُ بِهِ السَّعْدُ فِي"شَرْحِ الْعَقَائِدِ"حَيْثُ قَال: هُوَ الْعَارِفُ بِاللَّهِ حَسَبَ مَا يُمْكِنُ ، الْمُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَاتِ ، الْمُجْتَنِبُ لِلْمَعَاصِي ، الْمُعْرِضُ عَنِ الاِنْهِمَاكِ بِاللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ . [1]
وَكَذَا تَعْرِيفُ الْهَيْتَمِيِّ لِلأَْوْلِيَاءِ بِأَنَّهُمُ: الْقَائِمُونَ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ ، بِجَمْعِهِمْ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَل ، وَسَلاَمَتِهِمْ مِنَ الْهَفَوَاتِ وَالزَّلَل . [2]
وَلاَ يَخْفَى أَنَّ سَلاَمَتَهُمْ مِنَ الْهَفَوَاتِ وَالزَّلَل لاَ تَعْنِي الْعِصْمَةَ ، إِذْ لاَ عِصْمَةَ إِلاَّ لِنَبِيٍّ ، وَلَكِنْ كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ الْوَلِيَّ مِنْ تَمَادِيهِ فِي الزَّلَل وَالْخَطَأِ إِنْ وَقَعَ فِيهِمَا ، بِأَنْ يُلْهِمَهُ التَّوْبَةَ فَيَتُوبَ مِنْهُمَا ، وَإِلاَّ فَهُمَا لاَ يَقْدَحَانِ فِي وِلاَيَتِهِ . [3]
الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالنَّبِيِّ:
ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِمَّا يَفْتَرِقُ الْوَلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ فِيهِ: [4]
أ - الْعِصْمَةُ:
-فَالأَْنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ وُجُوبًا ، وَلَيْسَ الأَْوْلِيَاءُ كَذَلِكَ ، فَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا يَجُوزُ عَلَى سَائِرِ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ اقْتِرَافِ الذُّنُوبِ . قَال الشَّوْكَانِيُّ: لَكِنَّهُمْ قَدْ صَارُوا إِلَى رُتْبَةٍ رَفِيعَةٍ وَمَنْزِلَةٍ عَلِيَّةٍ ، فَقَل أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ مَا يُخَالِفُ الصَّوَابَ وَيُنَافِي الْحَقَّ ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فَلاَ يُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ أَوْلِيَاءَ لِلَّهِ . [5]
(1) - شرح العقيدة الطحاوية للميداني ص 103، وانظر لوامع الأنوار ار البهية للسفاريني 2 392 ، والمحلي على جمع الجوامع وحاشية العطار عليه 2 481 ، وتعريفات الجرجاني ص 132، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 1528 ، وفتح الباري 11 342 ، وبستان العارفين للنووي ص 171، ومجموعة رسائل ابن عابدين 2 277 ، وحاشية المدابغي على فتح المعين ص 269 .
(2) - الفتاوى الحديثة لابن حجر الهيثمي ص 301 .
(3) - مجموعة رسائل ابن عابدين 2 277 .
(4) - مجموع فتاوى ابن تيمية 11 208 ،221، 223، ولوامع الأنوار البهية 2 301 ، وقطر الولي للشوكاني ص 248، وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي الميداني ص 139، وكشاف اصطلاحات الفنون 2 /1529 .
(5) - قطر الولي ص 248 .