-اتَّفَقَ سَلَفُ الأُْمَّةِ وَخَلَفُهَا مِنْ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ الأَْنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَفْضِيل أَحَدٍ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ . قَال الْقُشَيْرِيُّ: رُتْبَةُ الأَْوْلِيَاءِ لاَ تَبْلُغُ رُتْبَةَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لِلإِْجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى ذَلِكَ . [1]
أَمَّا مَا نُقِل عَنْ بَعْضِ الْكَرَّامِيَّةِ وَغُلاَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ مِنْ جَوَازِ كَوْنِ الْوَلِيِّ أَفْضَل مِنَ النَّبِيِّ فَهُوَ بَاطِلٌ ،قَال الْغُنَيْمِيُّ الْمَيْدَانِيُّ: هُوَ كُفْرٌ وَضَلاَلٌ . [2]
-أَمَا أَفْضَل الأَْوْلِيَاءِ وَالأَْنْبِيَاءِ ، فَقَدْ قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَفْضَلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى هُمْ أَنْبِيَاؤُهُ ، وَأَفْضَلُ أَنْبِيَائِهِ هُمُ الْمُرْسَلُونَ ، وَأَفْضَلُ الرُّسُل هُمْ أُولُو الْعَزْمِ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - . وَأَفْضَلُ الرُّسُل: نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ . [3]
ثُمَّ قَال: وَإِذَا كَانَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَل هُمُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ ، فَبِحَسَبِ إِيمَانِ الْعَبْدِ وَتَقْوَاهُ تَكُونُ وِلاَيَتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَمَنْ كَانَ أَكْمَل إِيمَانًا وَتَقْوَى ، كَانَ أَكْمَل وِلاَيَةً لِلَّهِ ، فَالنَّاسُ مُتَفَاضِلُونَ فِي وِلاَيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل بِحَسَبِ تَفَاضُلِهِمْ فِي الإِْيمَانِ وَالتَّقْوَى . [4]
مِعْيَارُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أَوْلِيَاءَ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ
-نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يُمَيَّزُونَ عَمَّنْ سِوَاهُمْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ ، لأَِنَّ هَذِهِ الْخَوَارِقَ كَمَا تَقَعُ لأَِوْلِيَاءِ اللَّهِ ، فَقَدْ تَظْهَرُ عَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُونَ وَيُمَيَّزُونَ بِصِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمُ الَّتِي دَل عَلَى خَبَرِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ . [5]
وَفِي ذَلِكَ يَقُول الشَّوْكَانِيُّ: وَالْحَاصِل أَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الْمَعْدُودِينَ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ ، إِنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللَّهِ ، مُقِيمًا لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، تَارِكًا لِمَا نَهَاهُ عَنْهُ ، مُسْتَكْثِرًا مِنْ طَاعَاتِهِ ، فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعَ ، فَهِيَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَل لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يُنْكِرَهَا .
وَمَنْ كَانَ بِعَكْسِ هَذِهِ الصِّفَاتِ ، فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَيْسَتْ وِلاَيَتُهُ رَحْمَانِيَّةً ، بَل شَيْطَانِيَّةً ، وَخَوَارِقُهُ مِنْ تَلْبِيسِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاسِ . وَلَيْسَ هَذَا بِغَرِيبٍ وَلاَ مُسْتَنْكَرٍ ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مَخْدُومًا بِخَادِمٍ مِنَ الْجِنِّ أَوْ بِأَكْثَرَ ، فَيَخْدِمُونَهُ فِي تَحْصِيلٍ مَا يَشْتَهِيهِ وَرُبَّمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ . وَالْمِعْيَارُ الَّذِي لاَ يَزِيغُ ، وَالْمِيزَانُ الَّذِي لاَ يَجُورُ هُوَ مِيزَانُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . فَمَنْ
(1) - بستان العارفين ص 169 .
(2) - شرح العقيدة الطحاوية للميداني الحنفي ص 139 .
(3) - مجموع فتاوى ابن تيمية 11 /161 ، وانظر قطر الولي ص 238 .
(4) - مجموع فتاوى ابن تيمية 11 /175 .
(5) - مجموع فتاوى ابن تيمية 10 /431 ، 11 /214 ،271،274 .