الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه، فما من وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة، فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وخير.
ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الاستفتاح:"اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ , أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي , فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ , وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ وَتَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ" [1]
قال الطحاوي:
"تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم -"وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ"فَوَجَدْنَاهُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ وَالشَّرُّ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ إلَيْكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَيْرَ يَقْصِدُ بِهِ إلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَإِنْجَازِ مَا وُعِدَ عَلَيْهِ , وَمَنْ عَمِلَ شَرًّا فَلَيْسَ يَقْصِدُ بِهِ إلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ وَمِنَ الشَّرِّ فَمِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قَالَ: عَزَّ وَجَلَّ { وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ } [النساء: 78] أَيْ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيُيَسَّرُ أَهْلُ السَّعَادَةِ لِلْخَيْرِ فَيَعْمَلُونَهُ فَيُثِيبُهُمْ وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ , وَيُيَسَّرُ أَهْلُ الشَّقَاءِ لِلشَّرِّ فَيَعْمَلُونَهُ فَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ فِيمَا يَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْ مِثْلِهِ، وَهُوَ مَا خَلَا الشِّرْكَ بِهِ وَاللهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ ." [2]
أي: فإنك لا تخلق شرا محضا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق فالربُّ سبحانه وتعالى منزه عنه. وهذا هو الشر الذي ليس إليه، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 18] ، {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] ، وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 2] ، وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: {وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] ، وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل لله من الرحمة والحكمة ما لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة, يكون شرا كليا [عاما] ، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرا أو مصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام, وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذابا عليه بالمعجزات التي أيد بها الصادقين، فإن هذا شرٌّ عامٌّ للناس، يضلهم، فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم, وليس هذا كالملك الظالم والعدو، ولهذا قد يمكِّنُ الله كثيرا من الملوك الظالمين مدة لحكمة يراها، وأمَّا المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم، بل لا بد أن
(1) - شرح مشكل الآثار - (4 / 222) (1562 ) صحيح
(2) - شرح مشكل الآثار - (4 / 222) (1563 )