يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44-46] .
وفي قوله: {فَمِنْ نَفْسِكَ} من الفوائد: أن العبد لا يطمئنُ إلى نفسه ولا يسكن إليها، فإن الشرَّ كامنٌ فيها، لا يجيء إلا منها، ولا يشتغلُ بملام الناس ولا ذمِّهم إذا أساءوا إليه، فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، فيرجعُ إلى الذنوب، ويستعيذُ بالله من شرِّ نفسه وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته, فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر.
ولهذا كان أنفعَ الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 5-7] . فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة, لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاجٌ إلى الهدى كلَّ لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب, ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد هداه! فلماذا يسأل الهدى؟! وإنَّ المرادَ التثبيتُ، أو مزيدُ الهداية! بل العبدُ محتاجٌ إلى أن يعلِّمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور، في كلِّ يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك, فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريدا للعمل بما يعلمه، وإلا كان العلمُ حجَّةً عليه، ولم يكن مهتديا, ومحتاجٌ إلى أن يجعله قادرا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فإنَّ المجهول لنا من الحق أضعافُ المعلوم، وما لا نريدُ فعله تهاونًا وكسلًا مثلَ ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرفُ جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمرٌ يفوت الحصر, ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمنْ كملتْ له هذه الأمورُ كان سؤاله سؤال تثبيت، وهي آخر الرتب, وبعد ذلك كلِّه هدايةٌ أخرى، وهي الهدايةُ إلى طريق الجنة في الآخرة؛ ولهذا كان الناسُ مأمورين بهذا الدعاء في كلِّ صلاة، لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوجَ منهم إلى هذا الدعاء. فيجبُ أن يُعلَم أن الله بفضل رحمته جعلَ هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعةِ من الشر، فقد بيَّنَ القرآنُ أن السيئاتِ من النفس، وإنْ كانتْ بقدَرِ اللهِ، وأنَّ الحسناتِ كلَّها منَ الله تعالى, وإذا كان الأمرُ كذلك وجبَ أن يُشكرَ سبحانه، وأنْ يستغفرَه العبدُ من ذنوبه، وألا يتوكلَ إلا عليه وحدَه، فلا يأتي بالحسناتَِ إلا هو, فأوجبَ ذلك توحيدُه، والتوكلُّ عليه وحده، والشكرُ له وحده، والاستغفارُ من الذنوب. [1]
(1) - شرح الطحاوية - ط دار السلام - (1 / 365)