فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 559

قال تعالى: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } ( الحج: 70) . وقال تعالى: { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } ( يس: 12) .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ - قَالَ - وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ » . [1]

وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلا، فالأول تقدير عام لجميع المخلوقات وهو المكتوب في اللوح المحفوظ ، والثاني خاص مفصل للعام وهو ثلاثة تقادير:

1 -التقدير العمري:

عند تخليق النطفة في الرحم ، ففي الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ « إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ، وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ . ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلاَّ ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ » [2] ..

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:"وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَا يُخْتَمُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ إِنَّمَا يُخْتَمُ بِمَا سَبَقَ كِتَابُهُ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيٌضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ أَعْمَالَ عِبَادِهِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ مُكْتَسَبَةٌ لِلْعِبَادِ، وَمِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } [الصافات: 96] وَمَا يَعْمَلُهُ ابْنُ آدَمَ لَيْسَ هُوَ الصَّنَمُ، وَإِنَّمَا هُوَ حَرَكَاتُهُ وَاكْتِسَابَاتُهُ، وَقَدْ حَكَمَ بِأَنَّهُ خَلَقَنَا وَخَلَقَ مَا نَعْمَلُهُ، وَهُوَ حَرَكَاتُنَا وَاكْتِسَابَاتُنَا، وَقَالَ: { اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [الرعد: 16] وَقَالَ: { خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } وَأفعالُ الْخَلْقِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، لِأَنَّ صِفَاتَ ذَاتِهِ لَيْسَتْ بِأَغْيَارٍ لَهُ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا كَمَا لَا يَتَنَاوَلُ ذَاتَهُ، وَقَالَ: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ } [فاطر: 3] كَمَا قَالَ: { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ } [القصص: 71] ، فَكَمَا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كَذَلِكَ لَا خَالِقَ إِلَّا هُوَ، وَقَالَ: فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ"

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (6919 )

(2) - صحيح البخارى- المكنز - (3208 ) وصحيح مسلم- المكنز - (6893 )

وَالْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَع فِي نَادِر مِنْ النَّاس ، لَا أَنَّهُ غَالِب فِيهِمْ ، ثُمَّ أَنَّهُ مِنْ لُطْف اللَّه تَعَالَى وَسَعَة رَحْمَته اِنْقِلَاب النَّاس مِنْ الشَّرّ إِلَى الْخَيْر فِي كَثْرَة ، وَأَمَّا اِنْقِلَابهمْ مِنْ الْخَيْر إِلَى الشَّرّ فَفِي غَايَة النُّدُور ، وَنِهَايَة الْقِلَّة ، وَهُوَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: { إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي وَغَلَبَتْ غَضَبِي } وَيَدْخُل فِي هَذَا مَنْ اِنْقَلَبَ إِلَى عَمَل النَّار بِكُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَة ، لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ فِي التَّخْلِيد وَعَدَمه ؛ فَالْكَافِر يُخَلَّد فِي النَّار ، وَالْعَاصِي الَّذِي مَاتَ مُوَحِّدًا لَا يُخَلَّد فِيهَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيره .

وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَصْرِيح بِإِثْبَاتِ الْقَدَر ، وَأَنَّ التَّوْبَة تَهْدِم الذُّنُوب قَبْلهَا ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْء حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَاب الْمَعَاصِي غَيْر الْكُفْر فِي الْمَشِيئَة . وَاَللَّه أَعْلَم .شرح النووي على مسلم - (8 / 489)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت